وقف المؤتمر الوطني التاسع للنقابة الوطنية المنضوية تحت لواء الكونفدرالية الديمقراطية للشغل ببوزنيقة أيام 15-16-17 يناير الجاري في بيانه الختامي على حجم الهجوم الحكومي على الوضع الاعتباري للمدرسة العمومية، وعلى مكاسب نساء ورجال التعليم بكل فئاتهم في الوقت الذي يقوم البعض بتحميل نساء ورجال التعليم مسؤولية الوضع الحالي لقطاع التربية والتعليم، وهو في الواقع تعبير موضوعي عن بؤس فكري فظيع يندرج في إطار التوجه الرامي إلى التخلص من المدرسة العمومية باعتبارها ركيزة أساسية للتنمية البشرية.
وأشار البيان ذاته إلى أن رئيس الحكومة لا ينفك يردد أن الدولة المغربية ينبغي أن ترفع يدها عن التعليم لأنه في نظره يشكل عبئا ثقيلا على ميزانية الدولة استجابة لإملاءات صندوق النقد الدولي والبنك العالمي في سياق اقتصاد السوق الذي حوَّل التربية والتعليم إلى سلعة خاضعة لمنطق الربح عبر تشجيع خصخصة التعليم ومؤسساته، وفصل التكوين عن التوظيف، “إن جوهر القضية، في قناعة المؤتمر الوطني التاسع، يكمن في غياب الإرادة السياسية لدى الدولة لإصلاح التعليم، ذلك أن الإرادة السياسية ليست خطابا يتلى على مسامع المغاربة وليست نوايا معلنة ومعبرا عنها، بل هي اختيارات سياسية واضحة تجد ترجمتها على أرض الواقع تضمن تنمية وتطور البلاد وحق أبنائها في ولوج مجتمع المعرفة في إطار تكافؤ حقيقي للفرص” يقول البيان الختامي، معتبرا أن التعليم يعيش أزمة بنيوية مركبة، وأن كل مشاريع الإصلاح المعلنة باءت بالفشل لأن سلطة السيادة لها مخطط سياسي يهدف إلى ضبط المجتمع؛ فالتربية والتعليم من أساسيات بناء السلطة، ومن أساسيات استمرار النظام السياسي، إذ العلاقة بين السلطة السياسية والسلطة التربوية قوية، فالمدرسة التي أنتجت نخبة من حركة اليسار السياسي المعارض مرفوضة، والمدرسة العمومية التي أنتجت النخب المتنورة التي تطرح عمق سؤال التنمية ودمقرطة الدولة والمجتمع يجب بالضرورة- في منطق الدولة- مراجعتها وضبط حركيتها الداخلية في إنتاج وتعميم المعرفة، يضيف البيان ذاته “لأن أمن الدولة حسب منطق التحكم يسمو على كل اعتبار، وعليه، ألا يمكن اعتبار هذا المنطق مسؤولا عن فتح المجال للفكر اللاعقلاني الذي هيأ أرضية خصبة لبروز بعض ظواهر التطرف اليوم والتي يعتبر الدين الإسلامي بريئا منها؟” يقول البيان الختامي.
و أدان المؤتمر في بيانه المخطط الامبريالي الصهيوني القائم على التفكيك وإعادة رسم الخريطة الجغرافية السياسية والاقتصادية للدول وتدمير حضارتها بما يخدم مصالح الليبرالية المتوحشة، وما يتعرض له الشعب الفلسطيني الصامد من تقتيل وتنكيل وحصار، واصفا إياه بأكبر الجرائم التي عرفتها الإنسانية في الزمن المعاصر، في ظل تواطؤ دولي وعربي مريب للمركب الامبريالي الصهيوني الرجعي الذي يرمي إلى محو القضية الفلسطينية من الذاكرة العربية والإنسانية الحية.
وحمل البيان ذاته الدولة المسؤولية الكاملة في عدم استكمال الوحدة الترابية في إطار رؤية شمولية تستحضر وتروم تحقيق وحدة المغرب الكبير، وعدم اعتماد مقاربة اجتماعية مندمجة يكون محورها الإنسان بناء على تصور ديمقراطي تنموي يضمن الحقوق لكافة المواطنين. كما دعا الدولة الجزائرية إلى التخلي عن أطروحاتها اللاتاريخية في تعاطيها مع قضية الصحراء المغربية، مؤكدا استعداد الشغيلة التعليمية في ارتباطها العضوي مع الطبقة العاملة والشعب المغربي لمواجهة كل الاحتمالات تحصينا للوحدة الترابية ودفاعا عنها.
ورفض المؤتمر الوطني التاسع للنقابة الوطنية للتعليم بقوة منطق التحكم الاستبدادي الممنهج الذي تسلكه الدولة في تدبير شؤون البلاد، والذي يتناقض مع شعارات المجتمع الديمقراطي الحداثي، وإدانته التجاهل الحكومي لمطالب الشعب المغربي في حفظ كرامته، وصون مكتسباته، إرضاء للمؤسسات المالية الدولية وتكريسا للاستبداد ورعاية للفساد والمفسدين.
وأدان البيان ذاته بقوة تجاهل الحكومة للنضالات التي تقودها المركزيات النقابية الأربع الأكثر تمثيلية في المغرب، واصفا إياه بأسلوب سياسي ممنهج قد يقود المغرب إلى مالا تحمد عقباه. كما عبّر البيان عن تضامنه المطلق وغير المشروط مع نضالات الطبقة العاملة وعموم الأجراء، وكذا مع كل الجمعيات الحقوقية المناضلة، وخاصة الجمعية المغربية لحقوق الإنسان المستهدفة بالأساس من الدولة والحكومة، مستنكرا تجاهل الحكومة لنداءاتها المتكررة، ورفضها معالجة الملفات المطلبية للطبقة العاملة عبر تفاوض جماعي مسؤول ومنتج،
وأدان المؤتمر ببيانه محاولات إجهاز الحكومة على مكتسبات الشغيلة المغربية في التقاعد، والوظيفة العمومية، والترقية، وضرب القدرة الشرائية، والحق في الإضراب…، كما شجب بقوة العنف المادي والمعنوي الممارس ضد المسؤولين النقابيين وتلفيق التهم المجانية لهم بشكل غير مسبوق (حالة الكاتب الإقليمي للكدش بأكادير).
وأكد المؤتمر التاسع أن الإصلاح التربوي والتعليمي الشامل؛ مناهج وبرامج وغايات وأهدافا… ضرورة تاريخية ووطنية ملحة غير قابلة للإرجاء أو التأجيل في ظل التحديات الكونية المطروحة على الجميع؛ دولة وحكومة وأحزابا ونقابات ومجتمعا مدنيا، وعلى الدولة بدءً وختاما أن تتحمل مسؤوليتها كاملة في توفير تربية وتعليم مجاني وجيد لكل بنات وأبناء الوطن بالشكل الذي يصون الهوية الوطنية في أبعادها اللغوية والثقافية والحضارية، ويبني الإنسان المغربي المنفتح على الحداثة ومجتمع المعرفة حسب البيان، مطالبا بضرورة الكشف عن تفاصيل نتائج افتحاص البرنامج الاستعجالي ومحاسبة المسؤولين عن هدر المال وهدر زمن الإصلاح وإرساء مبدأ عدم الإفلات من العقاب.
وحذر المؤتمر من الإجهاز على المجانية “فهو في جوهره إجهاز على الحق في ولوج التعليم بالنسبة لأبناء الشعب المغربي ويكرس الهدر المدرسي، ويعمق مآسي الشعب ومعاناته في حق أبنائه”.
ولم يفوّت البيان الختامي للمؤتمر الوطني التاسع للنقابة الوطنية للتعليم الفرصة من أجل اقتراح مجموعة من الحلول تمثلت في ترشيد المواد المالية الحالية وتدبيرها بشكل عقلاني، وإحداث ضريبة على الثروة لفائدة تمويل التعليم، وتخصيص المبالغ المالية المستخلصة من صندوق المقاصة إلى التربية والتعليم.
واقترح المؤتمر إحداث قانون إطار ينص على تحديد نسب مائوية لبعض المؤسسات الكبرى للمساهمة في تمويل التعليم : الفوسفاط- الأبناك- المعادن – الفلاحة الكبرى- قطاع الاتصالات ، وشركات التأمين الكبرى، مطالبا في الوقت ذاته بتدريس اللغة الامازيغية في جميع الأسلاك إسوة باللغة العربية باعتبارها لغة رسمية ومكونا من مكونات الهوية المغربية متعددة الأبعاد، يضيف البيان معتبرا أن رهان التنمية الحقيقي القائم على الاستثمار الجيد للرأسمال البشري، لا يمكن أن يتم إلا عبر مدرسة عمومية وطنية مجانية كفيلة بإرساء دعائم الفكر العقلاني، وقيم التسامح والحرية، لكونها الفضاء الأنسب لتعميم المعرفة وضمان تكافؤ الفرص بين جميع أبناء الشرائح الاجتماعية.
كما ندد بشدة بمسلسل الإجهاز على حقوق ومكتسبات نساء ورجال التعليم بكل فئاتهم، مُدينا بقوة الهجوم الشرس والمتواتر الذي يتعرض له الأساتذة المتدربون في أكثر من مدينة وإقليم لأنهم طالبوا بحقهم في إسقاط المرسومين القاضيين بفصل التوظيف عن التكوين وتخفيض المنحة إلى أقل من النصف، يضيف البيان ذاته مطالبا بإشراك المعنيين في كل ما يتعلق بهذا الملف، داعيا إلى جبهة نقابية تعليمية في أفق بناء جبهة وطنية لإنقاذ المدرسة العمومية لمواجهة مخطط تدميرها وتفكيكها ومقاومة تسليع التربية والتعليم، ومواصلة النضال من أجل تعليم عمومي جيد ومجاني للجميع، والاستجابة للمطالب المادية والمعنوية العادلة والمشروعة للشغيلة التعليمية.
وخلص البيان ذاته إلى أن الأزمة التي يتخبط فيها قطاع التربية والتعليم، والهجوم على الحقوق والمكتسبات، وتبخيس مهنة التدريس، يستوجب مواصلة النضال لمواجهة هذا الوضع، داعيا الشغيلة التعليمية إلى التعبئة المستمرة للقيام بالمهام النضالية المطروحة على النقابة الوطنية للتعليم وعلى الشغيلة التعليمية بشكل عام.





















