من أسباب ضعف اللغة العربية عند التلاميذ

موسى الشامي31 مارس 2013
من أسباب ضعف اللغة العربية عند التلاميذ

موسى الشامي

الكل يقر اليوم أن التعليم بالمغرب يعرف أزمة كبيرة وأن وضع اللغة العربية في هذا التعليم متأزمة للغاية بحيث يمكن أن نختزل هذه الأزمة في كون التلاميذ، بصفة عامة، بعد سنوات طويلة في الاحتكاك باللغة العربية في الصف المدرسي، يصلون إلى الباكالوريا برصيد لغوي هزيل يتجسد في كونهم لا يملكون القدرة على كتابة صفحة واحدة بعربية جيدة ،خالية من الأخطاء و متناغمة في تسلسل الأفكار إن كانت هناك أفكار..

ما سبب هذا الضعف اللغوي؟ و من المسؤول عنه؟؟ هل المدرسة أم المدرس أم مراقب المدرس ( المفتش أو المراقب التربوي) أم الأسرة أم المعني بالأمر نفسه أي التلميذ أم المناخ المجتمعي أم عوامل أخرى …؟

عندما نتكلم عن المدرسة، نعني بالأخص السنوات الأولى من التمدرس. لا شك أن التلميذ يتعلم الأبجدية بكيفية طبيعية ،و بعد وقت وجيز يستطيع أن يميز بين الحروف و يعرف كيف يكتبها في أول الكلمة ووسطها وآخرها، و أكثر من هذا أنه يمزج بينها لتكوين الكلمات و يبدأ في هذه الفترة بقراءة الجمل ثم بعض النصوص القصيرة.

وهذا يحدث لدى جميع الأطفال العاديين. إذا، المدرسة تقوم بدورها في هذا المجال وتنجح في جعل التلميذ مالكا لمفتاح يمكنه من متابعة الدراسة لوحده و بالخصوص في مجال قراءة النصوص إذا هو أراد ذلك…لكن الطفل في هذه المرحلة من العمر بحاجة إلى مؤازرة، و أكثر من ذلك هو بحاجة ماسة إلى من يوجهه. وهذا التوجيه لا يمكن أن يوفره له إلا المدرس في المقام الأول و الأسرة، أي الوالدان وأما المدرس فهو نوعان : المدرس الذي” يشتغل ليكون العقول “و المدرس الذي” يعمل دون شغف ليؤمن قوته “وهما نوعان مختلفان في مراميهما …المدرس الذي يشتغل ليربح قوت يومه، يعتبر عمله كباقي الأعمال. شغله يدر عليه راتبا وهو مستعد للقيام بأي عمل آخر إذا كانت مردود يته المالية جذابة. فوضعه المالي هو الأهم بالنسبة إليه،وأما وضعه العلمي، فليس له به اهتمام كبير. هذا النوع من المدرسين هم الذين كانوا يعرفون، في السبعينيات ،ب”معلمي الياجور” بالعامية المغربية ،أي أن فكرهم يكون منصبا على البناء العقاري و ليس على البناء العقلي للتلاميذ.

وهناك المدرس الذي يعمل بشغف، حبا في مهنة التدريس، أي أنه جاء للتعليم محبة في هذه المهنة وفي تكوين النشء. هذا النوع غالبا ما يكون من هواة القراءة وهواة التكوين الذاتي، بمعنى أنه يحرص على تعميق تكوينه ويهفو إلى درجات أعلى في الشهادات، و لا يقف عند الراتب في آخر الشهر…وبما أنه يحرص على القراءة، فلا شك أنه يحاول نقل فيروس القراءة إلى تلامذته بأي وجه من الوجوه. وهو لا محالة يفعل ذلك. و محظوظون التلاميذ الذين تضعهم الأقدار بين أيدي هذا النوع من المدرسين. لذلك فإن حيوية اللغة العربية أو ذبولها لدى الأطفال يبدأ من التعليم الابتدائي، على يد المدرس بالدرجة الأولى..

و الملاحظ هنا أن الطفل، إذا بدأ القراءة منذ الصغر، أي في الابتدائي عندما يستطيع ذلك، بعد امتلاكه الأبجدية ،ستترسخ لديه هذه العادة و ستصبح إدمانا على شيء جيد. والقراءة، كما يجب أن يعرف الجميع، هي مفتاح ما يمكن التلميذ من امتلاك ناصية اللغة التي بها يقرأ. وكما يلقح الطفل ضد الأمراض المختلفة، عليه أن يلقح لكي لا يصاب بفيروس النفور من القراءة…فمصدر ما تعرفه اللغة العربية عند التلاميذ من أزمة في مختلف أسلاك التعليم مرده عدم تعاطيهم للقراءة وهي عادة يجب أن تترسخ لديهم في صغرهم.. كيف السبيل إذا إلى الوصول إلى حالة الإدمان على القراءة لدى الأطفال؟؟ طبعا قد يصعب على الطفل أن يهتدي إلى عالم القراءة لوحده…فهو بحاجة إلى توجيه من لدن الكبار… فمن يوجهه؟؟؟

هذا واجب المدرس أولا و قبل كل شيء، لكن إذا كان المدرس لا يقرأ، فهو لا يمكن أن يطالب بشيء لا يأتيه…و للإشارة فإن المشرفين عن التعليم وجب أن يعرفوا أن الأقسام الأولى تحتاج إلى المحنكين من المدرسين ،لا إلى مبتدئين قليلي التجربة كما هو جار به العادة. وهي أقسام مصيرية بالنسبة للأطفال لأنها الأساس الذي يبنى عليه تكوينهم…لذا كان من الضروري أن يسند التعليم الابتدائي إلى خيرة المعلمين … في هذه الحالة، حالة المدرس الذي لا يحث على القراءة لأنه لا يقرأ و لا يعرف دور القراءة في تكوين شخصية الفرد وهو أمر وارد، وجب على الجهات المشرفة و المعنية بتربية الأطفال التدخل. هذه الجهات يمكن أن تكون:

* وزارة التربية الوطنية التي من واجبها بعث، بكيفية منتظمة، مذكرات للحث على على القراءة إلى الأكاديميات والنيابات، فالمؤسسات التعليمية.

وهي لازمة لابد منها، ويكون الساهر على تطبيق و تفعيل هذا النوع من المذكرات هو مدير المؤسسة في اجتماعاته مع المدرسين و كذا مع آباء التلاميذ

*جمعيات آباء التلاميذ.. و لها مسؤوليات كبرى في هذا المجال لإنشاء المكتبات بالمؤسسات التعليمية ،ووضع الكتب رهن إشارة التلاميذ.

* المشرفون التربويون.. وإذا لم يسهر هؤلاء على القراءة داخل المؤسسات التعليمية، فما دورهم؟؟

* الأسرة.. فالمسؤولية في التعويد على القراءة تعود كذلك إليها. عندما يكون الآباء من عشاق القراءة لا بد أنهم سيعملون على اقتسام هذا العشق مع أبنائهم.

ونحن نقف على واقع اللغة العربية بالتعليم المغربي يمكن التساؤل :” لماذا نولي القراءة هذه الأهمية في تقوية اللغة العربية لدى التلاميذ” ؟ والجواب في نظرنا هو أن دور المدرسة كيفما كانت الإمكانات البشرية و المادية و الوقتية تبقى محدودة .ويظل هدفها الاستراتيجي هو تمكين المتعلم من التعليم الذاتي…أي أن يتعلم المتعلم كيف يعلم نفسه بنفسه خارج المدرسة في غياب دور الفاعلين المذكورين أعلاه ، يصعب على التلميذ أن يهتدي لوحده ، لعالم القراءة …و هكذا يتعثر ونوعز تعثره هذا إلى المنهاج التربوي أو إلى الصعوبة المفترضة للغة العربية وهي من هذه الصعوبة براء.

على أن المسؤول الكبير في عزوف التلاميذ عن القراءة يظل، بدون منازع، وأنا أعود للموضوع من جديد عمدا، هو المدرس بالدرجة الأولى، وأعنى به ذلك المدرس الذي لا يعرف للقراءة معنى ،المدرس الذي يشتغل لربح قوته أولا و بعد ذلك الطوفان، وهذا النموذج موجود، و هو مسؤول عن هذا الوضع لسبب بسيط، هو أن مرافقته للتلاميذ تدوم وقتا طويلا خلال العام الدراسي…فلكونه لا يتعرض لخطورة القراءة و لا يشير إليها بتاتا في القسم و لا يقوم بأي مجهود لاقتناء القصص لتلامذته حتى يقرؤوا و ينموا خيالهم ومعلوماتهم ،و لا يشجع على القراءة لأن فاقد الشيء لا يعطيه، فهو لا يقوم بدوره و هو أصلا لا يعرف هذا الدور.

و ربما كان السبب في هذا، التكوين التربوي الذي حصل عليه، إن كان فعلا حصل على تكوين تربوي ما، قبل أن يلج سلك التعليم. وكل تكوين تربوي لا يعير نقل فيروس القراءة إلى التلميذ ليس تكوينا و لا يمكن أن يفضي إلى أية نتيجة… مع هذه الفئة وهذا النموذج من المدرسين تضيع المواهب و ترتكب الجرائم وتذبل البراعم… وثاني مسؤول عن هذه الوضعية الفاسدة هي الوسط الأسري حيث يقضي التلميذ- الطفل أو الشاب وقتا طويلا كذلك…فرعاية الأسرة ومتابعتها لجدول أعمال أبنائها ومراقبة الوقت الذي يخصصه هؤلاء للمطالعة من مهامها الأساسية. لكن الأمية المتفشية لدى الكثير من العائلات تحول دون هذه الرعاية و يظل الطفل –التلميذ ضحية جهل والديه و يستسلم لما لا ينفعه.. و قد يصبح فريسة سهلة للوسائل التي توفرها اليوم تكنولوجيا الإعلام التي إذا لم يحسن استعمالها كانت وبالا على المتعاطين لها.

أي تعليم للغة العربية لا ينجح في دفع التلميذ إلى القراءة في أوقات فراغه خارج المدرسة، أي جعل التلميذ يبني فكره بنفسه ويقود بناء شخصيته الفكرية بنفسه فهو تعليم فاشل كيفما كانت أهمية البرامج المسطرة و المناهج المتبعة وحنكة المدرس و يقظة مدير المؤسسة و المشرف التربوي و الآباء…كثيرا ما يقضي المدرس وقته في التباكي على ضعف مستوى التلاميذ في اللغة العربية، ولو أنه في بداية كل سنة، وضع لتلامذته خطة للقراءة معززة بكتب في إمكانه الحصول عليها من جهات مختلفة لسهل عليه مهمته، و لجني بعد بضعة شهور ثمارا يانعة…فكم من تلميذ يفاجئك بمستواه الجيد في الكتابة باللغة العربية وفي التعبير شفهيا و عندما تسأله عن سر ذلك ،يجيبك : أطالع الكتب و أتابع البرامج الجيدة و أشاهد الأفلام المختارة.

*رئيس الجمعية المغربية لحماية اللغة العربية

اترك رد

التعليقات 3 تعليقات
  • عبد العزيز
    عبد العزيز 31 مارس 2013 - 1:57

    شكرا جزيلا على المقالة القيمة

  • امال ال سقاط الضخامة
    امال ال سقاط الضخامة 26 مايو 2013 - 5:34

    بسم الله الرحمان الرحيم في حقيقة الامر ما اثارني بداية هو العنوان لكن ما استفزني ايجابيا لحد ما هو قول صاحب المقال مع احترامي الكبير والتقدير الوفير له(ان التلاميذ يصلون الى مستوى الباكلوريا برصيد لغوي هزيل يتجسد في كونهم لا يملكون القدرة على كتابة صفحة واحدة بالعربية خالية من الاخطاء ومتناغمة في تسلسل ان كانت هناك افكار ) متسائلا من المسؤول ومحملا الاستاذ القسط الاوفر من المسؤولية ولكن يجب ان نعترف ايضا بانه لا زال هنا وهناك الشرفاء والنبلاء من الاساتذة الذين يقدسون رسا لة التربية ويحترمون مهنة التعليم, اسمحولي يا سيدي الكريم ان اقول لكم باننا كلنا مسؤولون وخاصةمنهم منظري الفلسفة التعليمية الي تنهجها البلاد وفق مرجعية معينة وبرامج ومناهج محددة ونظرة مستقبلية محددة,وهن هنا اسال هل من خطة واضحة المعالم واستراتيجية بينة لا غموض فيها ولا لبس والتباس توصلنا الى نوع النسان الذي نصبو الى صناعته مستقبلا؟فكم عدد البحوث الميدانية التي قمنا بها اواعدت لهده الغاية والتي على ضوئهانسير بخطى تابثة دون استعجال او عجلة مرة اخرى في ظلم الاستاذ وتحميله المسؤولية والا لم نكن لنلجا لااصلاح الاصلاح وان كنت لا اوافق قط على هذه الاصطلاح اللامنطقي الدلالة فكان استعجال وعجلة واهدار للجهد والاموال واهدار للانسان وربما كذلك لكرامة الاستاذ الذي فرض عليه تطبيق امور في ظروف لاتسمح له بحسن استثمارها بالشكل المرغوب والمطلوب وان كان يؤمن في العمق بنجاعتها, اما ما يتعلق باقبار اللغة العربية فيبدو لي والله اعلم في تقليص ساعاتها من6ساعات الى 4 ,فيي محتويات النصوص الادبية وطريقة تحليلها القتضبة والمختزلة في الكم وليس في الكيف مقتصرا التلميذ او الطالب على القراءة السطحية دون القراءة العميقة دون دراسة المستويات اللغوية وعلاقات الجمل ببعضها البعض بل علاقات الكلمل ت وكذلك الغوص في طبيعة بنية الجمل ودلالاتها ارتباطا بمحتوى النص وعنوانه وظروف كتابته وبكاتبه دون القيام بعملية المقابلة او المفارنة بين النصوص على المستوى اللغوي والتركيبي والبلاغي لان الاستاذ مطالب بانهاء المقرر وكذلك التلميذ فكيف ومتى ينتقل التلميذ من معرفته للغة الوظيفية الى اللغة الابداعية بكل حسنها وجمالها الاخاذ وشاعريتهاوسحرها الاسرين, كذلك مسالةالاقتصار على كتاب مدرسي معين حسب الجهة حيث صار المسالة تجارية اكثر منها معرفية او نفعية تهتم بالتلميذ كاهم عنصر في العملية التعليمية او كان كل المعلومات التي سيحتاج اليها التلمذ لا توجد الا به مما لاا يحفز التلميذ على اجتهاد اكثر وقراءة اثمر ومعرفة اوفر ممايولد لديه الثقةبالنفس اكثر فاكثر,ولا داعي للاشار ةالى ان ذلك الكتاب هو ايضا به ما به من الاخطاء الاملائية والنحويةولكن؟؟؟؟؟؟؟ اضف على هذا وذاك ان جل مؤسساتنا التعليمةتفتقراو تكاد تنعدم بها مكتبات بالشكل الصحيح للمكتبة الفعلية الفاعلة والفعالة في ظروف ملائمةللقراءةوالبحث والتنقيب,المعتمد على مقولة اقرا اذن انا افكر اذن انا موجود,

  • عبد اللطيف
    عبد اللطيف 9 سبتمبر 2013 - 3:53

    لقد اتارني مشكل ضعف الرصيد اللغوي لدى تلامدتنا,والسبب كما اسلفتم الدكر هو ضعف الاقبال على تعاطي القراءة ,الا انني اريد ان ادلي بملاحظة جدمهمة وهي انه طوال ممارستي المهنية استنجت من خلال مجموعة من الاحصائيات ان الفتيات هم اكتر تعاطيا للقراءة و المطالعة.وانهم دائما في المقام الاول من حيت نسبة النجاح.