تحدث محمد برادة عن جدوى الأدب وضرورته في الحياة مستدلا بمقولة لفرويد ” الغرابة المتعلقة الناشئة عن علاقتنا بالأسرة و الآخر والقوى الكامنة التي لا يمكننا التحكم فيها”. مشيرا أن الأدب خطاب يتميز ويختلف كلية عن الخطابات المؤطرة للمجتمع السياسي والاقتصادي لينصب على جميع الخطابات، ولكنه تفاعل مثمر مع جميع التجارب النفسية ومتنوعة غير محددة في أشكالها.
واعتبر الروائي والكاتب محمد برادة خلال اللقاء المفتوح الذي نظمته مؤسسة الكلمة للثقافة والفنون بقاعة أطلنتيد بأسفي مساء الثلاثاء 17 فبراير 2015 أن الخطاب الأدبي حديث للنفس وتلاحم قوي بين التجربة الفردية والمجتمع، مضيفا أن الأدب يكتسب قيمة المجال الوحيد الذي يقدم لنا صراع الذات للتحرر من كل المؤسسات ابتداءً من الأسرة التي تحفظ للذات قيمتها وتخلق توازنا مع الجميع مسميا إياه بالتوازن بين الفردية والغيرية.
وأضاف برادة أن ما يبرر جدوى الأدب تبدأ معالمه واضحة من خلال التخييل والخيال، فالحياة التي تتسم بواقع مسدود تواقة دائما للبحث عن الذوق… ومن ثم تصبح علاقة الأدب بهذه الحالة متسمة بالشك أو باللايقين تقترن عنده بالكتابة داخل الفضاء العربي منذ عقود تبعث الشك يضيف برادة قائلا “بأنه من الصعب أن يسأل الفرد العربي عن مستقبله، ومن الصعب السؤال عن المستقبل”. فبعد الاستقلالات التي عرفتها المنطقة العربية أصبح التلاحم بين السياسي والثقافي انبثق عنه ما يسمى بين الشك واليقين، أي “بعد هزيمة 67 أصبحنا نعيش انفصاما بين الشكل الإبداعي والسياسة التسلطية للأنظمة، هذا الانفصام أدى إلى ابتعاد الكتاب والمفكرين عن أممهم، بل لم يعد يخدم أهدافا في ظل التسلط مما جعل الإبداع يضطلع بالنقد وبدأنا داخل “نحن” نهتم داخل الأدب بهموم الشعوب” يقول برادة، مبرزا أن هذا الوضع أدى إلى الحديث عن خلخلة الموروثات، وبدأ التساؤل عن العلاقة بأنفسنا نحن، فبدأ يهتز ضد الإيديولوجيا أمام التمرد، ليسائل كل ما ورثناه عن الماضي أكفيل بإيجاد حلول لمشاكلنا الحالية، أو رفضه؟ وتحقيق ما كانت تصبو إليه المجتمعات العربية أمام هذا التحول أصبح الأدب يحقق أسس صراع ديمقراطي، بل تحقق في الإبداع عموما.
إن الأجانب يضيف برادة حين ينظرون إلى جانب الذوق لا يجدونه إلا فيما أبدعه الفنانون والكتاب، ملفتا النظر إلى مشكلة العزوف عن القراءة وتراجع عدد القراء، عمَّق من أزمة المثقفين حيث تنتفي الشروط الموضوعية لاستقلالية مادية وتحرر المبدع من السلطة، بل لا يمكنه أن يتعيش من إنتاجه حسب تعبير برادة مما يؤثر سلبا على استقلالية الكِتاب.
وفي السياق ذاته، تحدث برادة مجيبا عن إشكاليات ثقافية وأسئلة طرحها عليه منذ البداية مسيِّر الجلسة – ذ.عبد الحق ميفراني رئيس مؤسسة الكلمة- عن نقطة ضوء في خضم ما قيل سابقا في الإبداعات الفنية و السينمائية، بالرغم من أن الأنظمة تقف ضد ذلك التواصل مما جعله يخلق أنوية للصدق في هذا الإبداع الفني فنحن أمام هشاشة لا تضمن الاستمرار والتطور، ولا أدل على ذلك انتشار الأصولية التي تعتمد الإرهاب استمرارا للدين، ففشل الأنظمة منذ 50 سنة يضيف برادة هو الذي أفرز أصولية متطرفة، بينما القوة المدنية التي تعيش مع الدين بسماحة أنتجت شبابا يتطلع إلى العلم إلا أنها تبقى بعيدة، نتج عنه تكرار اللايقين مما صعَّب على المبدعين والكتاب رفع الصوت، ومع ذلك يضيف برادة أن هؤلاء الشباب سيتمكنون من تحويله إلى حقائق.
ولم يفوِّت برادة الفرصة في هذا اللقاء، الحديث عما أسماه بالانفجار العربي قاصدا به ما يسمى بالربيع العربي، كمؤشر يستخلص منه أن الأنظمة المتسلطة لا تتخذ القرار في بناء مجتمع ديمقراطي حقيقي، واصفا ذلك بأنه إعلان عن انتهاء هذه المرحلة، حيث ثم الكشف عن الأدواء والأمراض الحقيقية لأن تحكّم الأنظمة أدى إلى ظهور العنف والإرهاب، وما تعيشه اليوم من مأساوية كل من اليمن وليبيا والعراق وسوريا… يظل سؤال الشباب مطروحا حسب تعبير برادة هل من خلاص آخر؟ أيمكن أن نتخيل حياة قبل 2010؟ وبالرغم من كل هذه المأساوية تظل إيجابية، تلوِّح بعلامات تفيد أنه من المستحيل أن ترجع المجتمعات العربية كما كانت قبل هذه السنة.
وفي سياق آخر قدَّم برادة إطلالة على روايته الأخيرة “بعيداً من الضوضاء… قريباً من السكات”، يحاول فيها الإجابة عن سؤال مدى 50 سنة عاشها في المغرب “لم أكن فاعلا قويا في هذه الفترة ولكن كنت أستطيع أن ألاحظ وأختزل” يقول برادة.
فرواية برادة كما يقدمها تخفي تفكرا خارجيا، ويصير الأشخاص فاعلين يملكون قدرة على تشكيل عالمهم.
الراجي شاب عاطل من مواليد السبعينيات خريج جامعي في مادة التاريخ، يبدأ عملاً مع الشيخ الرحماني «المؤرخ» المنكبّ على إنجاز كتاب يستعيد تاريخ المغرب المعاصر منذ «الحماية الفرنسية» حتى الاستقلال بطلب منه. يأخذ الشاب أسئلة المؤرخ ليطرحها على شرائح في المجتمع المغربي ضمن دراسة ترصد التحولات الاجتماعية في المملكة، ولكن سرعان ما يسائل وضعه هو كعاطل عن العمل.
ويضيف برادة أنه بروايته هذه لم يقصد كتابة تاريخ بمعناه المحض ولكنه حاول التحريض على التفكير دون إعطاء الحلول، فبذلك يتتبع الراجي سير أشخاص كانوا فاعلين بشكل أو آخر في التاريخ المغربي المعاصر انطلاقاً من مواقعهم الشخصية منهم المحاميان توفيق الصادقي (1931)، وفالح الحمزاوي، والطبيبة النفسانية نبيهة سمعان (1956). شخوص تنتمي إلى أجيال ولدت بين الثلاثينيات من القرن الماضي وبداية الاستقلال، وتجتمع في أنّها تعكس صورة عن أوضاع النخب المغربية واختياراتها التي جاءت في زمن حاولت فيه السلطة تعزيز موقعها في البلد.
تسلط الرواية الضوء على أبطال الرواية ومساراتهم الاجتماعية مع تطورات تخصّ حياتهم الحميمية، فيتحدثون فيها بلا مواربة تصير مرآة لتحولاتهم. كأننا أمام استعارة لاستشارة نفسانية لمجتمع بكامله.
يرى برادة أن الرواية لم تعد رومانسية تقول أن كل شيء على ما يرام، تطرح قضايا في عدة مجالات ” نحن في حاجة إلى أكثر من رواية، لأنها لا تصور الواقع كما هو ولا تحاكيه بل لابد من التخييل بل على الرواية أن تفتح أفق التفكير في المستقبل ولا ينبغي لها أن تنحصر في الماضي، وتفتح كوة أمام المستقبل، الرواية في الحقيقة لها قدرة أكبر من التفكير الفلسفي والسياسي باعتماد المصطلحات، ولكن ميزتها تنطلق من شخصيات عادية وهو انطلاق من حياة ما يعكس تناقضات بين قيم ومبادئ و طريقة العيش للفرد” يقول برادة مضيفا أن الرواية أقرب إلى ربط علاقتنا بالواقع بينما تبقى المفاهيم صيغ مجردة، فالنص الروائي يجر القارئ نحو طرح أسئلة عن الواقع.
ويشار أن هذا اللقاء المفتوح مع الكاتب محمد برادة، تُوِّج بحفل توقيع لروايته الجديدة.
الحسين النبيلي
























