الباكالوريا بين جرم الإنجاز وحزم المراقبة

أحمد طاهيري12 يونيو 2014
الباكالوريا بين جرم الإنجاز وحزم المراقبة

إنها الساعة الأولى ،حيث المادة الأولى، ووقت دق الجرس قد حان، إعلانا عن الشروع على بركة الله في التعامل مع معطيات الامتحان، و ساد صمت مطبق شبه مقدس أجواء المكان، ماعدا صرير أقلام يستبد بالآذان، يشفعه بين الفينة و الأخرى خرخشة ورق، أو سعلة أو عطسة تعبران السبيل بين آن وآن، أو جلبة أقدام تترجم تقلب الجالسين وهم يدرؤون عنهم تحمل عبء الزمان والمكان، و يطلبون الترويح عن النفس و الوجدان.

كذلك كنت أرى المشهد وأحس بمن في خضمه و أنا جالس أمام الطلبة أرقب ، و أمعن في المراقبة والترقب، أنظر بعينين تكادان تكونان حربائيتين إلى الشمال طورا، و طورا إلى اليمين و هما في كل الاتجاهات تحملقان، و نظراتي قد جعلتها تشي لطلبتي بحزم صارم لاهوادة فيه،ثم إذا بأحد من هؤلاء يكف عن القراءة وعن الكتابة ،فيضع كافة وجهه بين يديه،حتى إذا أجهده الأمر و لم يجد من تلك السبيل ضالة، التفت إلى اليمين و إلى الشمال التفاتة الكرام، ثم رفع إليّ بصره بعينين، بصمت بليغ تنطقان، و لوسيلة مّا صوب غاية في نفسه تلتمسان، لكني سرعان ما تصديت لهما بعينيّ، و كم كان صمتهما أبلغ، توحيان له بانسداد الطرق غير المشروعة التي تفضي إلى كل غاية مرصودة غير مشروعة، و تكرسان روح مقول الحكمة:”عند الامتحان يعز المرء أو يهان”، ولسان حالهما يقول:

– إنني يا ولدي هنا أراقب، و أمنع كل حركة فيها تصريح أو تلميح بغش أو اختلاس،فانظر ماذا ترى؟

وكأني به يرد: – لكني بحاجة إلى بعض الغش و الاختلاس أتطعم به عملي،وأضمن به نجاحي ،ولا أريد أن أكون محروما منه، فقد كاد الجمع في تقديراتنا – نحن معشر المترشحين للامتحانات،كبارا و صغارا- يُجمع على أن ذلك حق.

ثم أرد محتجا ومنفعلا، و لسان حالي يقول: – ألم تنظر أمامك ،ما ذلك الملصق المثبت على السبورة؟ أليس في ذلك تذكير لك و لغيرك بأن الغش ممنوع، و أين أنت من هذا الشعار الذي رفعته الوزارة هذا العام، و وضعت له شارات خاصة، و رصدت لإخراجها ميزانية، وكرست من أجل تفعيله مجهودات ،وزينت بها صدور المسؤولين المتتبعين و المشرفين على عملية إجراء الامتحان؟ أو ما زلت مصرا على فتح نافذة للإغاثة من الغش؟

وفي تنهيدة لا مبرر لها يجيب،رغم أن في رده وقاحة وجرأة غير مباحة: – و الله يا أستاذ ما أنا بكاره،دعني أستجب لرغبتي،فأنا أنظر إلى حاجتي هذه في ساعتي، و في ساعة أخرى، في المستقبل بطبيعة الحال، مدبرها حكيم، و سوف أحاول اجتناب الغش و منع الآخرين منه.

و في نوع من السخرية التي انتابتني من هذا الموقف، رددت صارخا،كصراخ الميت بعد أن يدفن، يسمعه كل شيء إلا آذان البشر: -هذا مستحيل، أنت تعجن بالغش و تخمر به وتطبخ به، ثم تدعي أنك تمتنع عن أكله و تمنع الآخرين عن ذلك، ألا تعرف أن من شب على شيء شاب عليه؟ و في توسل صارخ يتنافى مع كل مقاييس النزاهة ، و يصطدم بكل فلسفات المنطق،

يسترسل في الطلب ويلح، و هو يقول: – وهل كل مَن، وكل ما حولنا منزه عن الغش !؟

فأجبت منكرا: – و رغم ذلك.ألم يأن لنا و لهم جميعا أن نجعل محاربة الغش، و التربية على ذلك في صلب برامجنا و مبادئنا و أهدافنا و سياستنا التعليمية،وأنت تعرف أن من غشنا ليس منا؟ .

إلا أنه يرغب عن هذا الوعظ ويبدي رغبته الملحاحة في مطلبه الذي يشد عليه بالنواجد،وهو يقول: – وما بالك وعلمك بالساحة الوطنية في هذه اللحظة، و بما تعج به من عجيج و قض و قضيض،سوف يضرب فيه الضاربون ذات اليمين وذات الشمال، و لسوف يكون عند جهينة الخبر اليقين… ولما و ضعت الحرب أوزارها في نهاية شوطها الأول، صدق الحدس، وحكت جهينة الخبر اليقين…

اترك رد