بقلم: عبدالعزيز التائبي
أن يكون ابن خلدون عالم اجتماع فهذا أمر يعرفه الجميع ومقدمته شاهدة على أنه المؤسس الحقيقي لعلم الاجتماع أو علم العمران البشري كما أسماه، وأن يكون مؤرخا فهذا أيضا أمر يعرفه الجميع وتاريخ ابن خلدون المعروف باسم “العبر وديوان المبتدا والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر ” لا يزال يشكل معينا لا ينضب يمد المؤرخين والباحثين بما يحتاجونه من معلومات لتأليف الكتب والمجلدات عن الأمم السابقة وأحوالها؛ أما ما لا يعرفه غير قليل من الجمهور، فكون ابن خلدون مفكرا تربويا، له من الآراء التربوية الشئ الكثير، ومَرد هذا إلى كونه لم يُخلِّف بعد مماته مرجعا مخصصا للفكر التربوي ونظرياته، كما هو الشأن مع المقدمة وعلم الاجتماع، والعبر وديوان المبتدأ… وعلم التاريخ. كما أن ما يمكن أن نُطلق عليه الفكر التربوي الخلدوني هو في حقيقة الأمر مجموعة من الآراء المتناثرة في المقدمة بشكل “غير تام وغير مفهوم” لم يبدي الكثير من الباحثين، العرب خصوصا، ما يكفي من الجهد لإجلاء هذا الغموض وعدم الوضوح، بالرغم من أنه ” يعكس بشكل جلي ما كان عليه التعليم في العالم الإسلامي” إبان عصره. ولذلك فإن محاولة استيعاب أرائه التربوية لن يتحقق إلا في ظل فهم شامل لنظريته في العمران البشري ودواعي نشوئه وأسباب انحلاله.
عاش ابن خلدون في فترة زمنية (القرن الثامن الهجري الرابع عشر ميلادي) اتسمت ببروز علامات واضحة على أن الحضارة الإسلامية آخذة في الأفول وبداية الانحطاط، وأن مشعل الحضارة بدأ ينتقل تدريجيا إلى الضفة الشمالية للبحر الأبيض المتوسط، مما دفع به إلى البحث عن الأسباب المؤدية إلى انحطاط الحضارات وأفولها، والأخرى المؤدية إلى ازدهارها ونموها. وهكذا توصل إلى نظرية لا يزال لها اعتبارها عند الباحثين إلى يومنا هذا في مجال فلسفة التاريخ والسوسيولوجيا. وخلاصة النظرية أن للدولة دورة حياة تشبه دورة حياة الإنسان التي ذكرها الحق تبارك وتعالى في محكم التنزيل حينما فال {الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا} وهذا يعني أن المجتمع البشري باعتباره كائنا حيا يعيش في حركية وجدلية مستمرة، فيولد صغيرا وينمو إلى درجة النضج والاكتمال ثم يأخذ قي الأفول إلى أن يصل إلى الانحلال. ليُسْتخلص من ذلك أن الدولة تمر في أربعة أطوار هي:
1) طور الظفر والاستيلاء على الحكم غلبة وقهرا وانتزاعا.
2) طور الاستبداد والانفراد بالسلطة والتنكر للعصبة.
3) طور الفراغ والدعة لتحصيل ثمرات الملك، وفيه تسود الراحة والطمأنينة.
4) طور الهرم والانقراض بسبب الإسراف والتبذير.
ونظرية ابن خلدون هذه تدور حول مفهوم محوري،هو بمثابة المحرك أو وقود الانطلاق، وهو مفهوم “العصبية”. وهي كما عرفها محمد عابد الجابري “رابطة اجتماعية نفسية تربط أفراد جماعة معينة قائمة على القرابة المادية أو المعنوية ربطا مستمرا يشتد عندما يكون هناك خطر يهددهم” .
وإذا كان مفهوم العصبية من الناحية السوسيولوجية عاملا حاسما في فهم نظرية ابن خلدون، فإن دوره التربوي قلما كان موضوع بحث واهتمام من لدن الباحثين بالرغم من ارتباطه الوثيق بعالم القيم، “حتى أننا نستطيع القول بأن هذا المفهوم يشكل القيمة المركزية للمجتمع القبلي، لأنه مصدر كل أشكال التلاحم والترابط في مجتمع منظم وَفق مبادئ الانغلاق عن الذات” .
كما أن العصبية لا يمكن النظر إليها بأنها تشكل قيمة منعزلة بحد ذاتها، غير أنه يمكن النظر إليها باعتبارها تشكل دِرْعا واقيا لكل قيم المجتمع، وبالتالي لنظامه وتوازنه، فهي إحساس نفسي ورابطة اجتماعية تقوم على قيم أُسرية، أو دينية، أو سياسية…تستنفر كل أفراد المجتمع الذين يتقاسمون نفس هذه القيم للدفاع عنها كلما اشتد خطر معين.
ويرى ابن خلدون أن هذه الرابطة تنتقل من جيل لأخر بطريقة عفوية، دون حاجة لتعلميها أو تلقينها للأجيال الصاعدة، غير أن الأمر يختلف كثيرا في العصر الحديث، عصر العولمة والانفتاح حيث تتداخل القيم المختلفة وتتصارع حتى بات البعض يتحدث عن حرب للحضارات؛ الأمر الذي يطرح تساؤلات عديدة حول الأدوار الجديدة التي ينبغي للتربية، وخصوصا تلك التي تتلقاها الناشئة في المؤسسات التعليمية، أن تؤديها في المجتمع؛ هل تكتفي المدارس بنقل القيم الدينية والوطنية للأطفال، باعتبارها خيارا من بين خيارات أخرى يعج بها العالم من حولنا؟ فيحق بذلك لكل فرد من أفراد المجتمع أن يتبنى ما يحلو له من قيم، ويأتي ما يرغبه من سلوكات مهما تنافت وتصادمت وتناقضت مع قيم المجتمع، بل مع حتى فطرة الإنسان، فالزمن زمن حرية الفرد، وهي حرية مقدسة، ولا مجال لسماع ثرثرة الغوغاء من المتعصبين والمتطرفين و المتزمتين…إلى غيرها من الأوصاف والنعوت التي يشار بها إلى كلِّ ذِي ذَرة من العصبية والغيرة على القيم الأصيلة للمجتمع. وهذا ما يحدث فعلا بدعوى الانفتاح، والتسامح والقيم الكونية، ومواكبة العصر وغيرها من الشعارات؛ أم أنه ينبغي على المدرسة أن تحرص على أن لا تتحول هذه القيم الدينية والوطنية… للأمة إلى مجرد شعارات تُدبَّج بها السياسة التربوية، أو إلى ِزينة تَتَزين بها المناهج التربوية دون أن يكون لها أي أثر فعلي على سلوك المتعلم، بل أن تتحول إلى واقع ملموس يعيشه الأطفال ويُربَّون عليه، يتنفسونه ويشربونه كما الهواء والماء.
إن الخيار الأول وهو الذي تأخذ به غالبية الأنظمة التربوية في كثير من الدول حاليا، وهو مما لاشك فيه، خيار جذاب ومثير، فهو يرفع شعار الانفتاح والتسامح… ويوحي بالديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان، كما أنه خال من أي سلطة للمجتمع على الفرد. غير أن النتائج التي تمخضت عنه جعلت الكثير من المجتمعات – خصوصا تلك التي لا تَتشارك والدول الغربية القيم نفسها- تعاني أزمات مزمنة على مستويات عدة، حولتها إلى مجرد مُسوخ لا تُعْرف هُوّيتها، فدخلت في طور الهرم والانقراض كما تحدث عن ذلك ابن خلدون؛ كما جعل من المدرسة مؤسسة مفلسة، فاقدة للكثير من التأثير والاعتبار اللذان طالما افتخرت بهما طوال مئات السنين من عمرها المجيد.
ويبقى الخيار الثاني فيما يبدو هو الخيار الأجدر والأصلح لبناء أمة قوية واثقة من نفسها تسعى إلى التقدم والازدهار بخطى ثابتة، غير مبالية بما تواجهه من تحديات وصعاب؛ غير أنه خيار يواجه صعوبات جمة، وتحديات كبيرة، تحولت بسببها قيمنا الحضارية إلى مجرد واجهة تكاد لا تكون لديها أدنى سلطة على أفراد المجتمع. ولعل أحد هذه الصعوبات، التطور التكنولوجي الهائل الذي عرفه العالم مما مكَّن الكثير من الأفكار، والقيم والمعتقدات وأنماط العيش… – خصوصا منها تلك القادمة من الدول ذات النموذج الاقتصادي الناجح- من التجول في كافة أنحاء العالم بحرية مطلقة، مما وضع القيم المحلية في موضع حرج تُدافع فيه عن نفسها؛ وأمام هذا الوضع كان لزاما على المدرسة أن تتدخل لحماية المجتمع من التمزق والاندثار، فاهتمت السياسات التربوية بالقيم و أكدت عليها في إصلاحاتها للمنظومة التربوية، وخصصت لها حيزا كبيرا في مناهجها، وبرامجها… إلا أن مسلسل الانهيار القيمي والأخلاقي أبى إلا أن يُنْهي كل حلقاته، و باتت المدرسة عاجزة عن لعب الدور المنوط بها لحماية المجتمع، بل أصبحت المدرسة ذاتها مُخترقة وتحولت إلى مرتع لكل ما يتناقض و رسالتها. مما جعل التساؤل عن أسباب هذا الفشل أمرا ملحا.
الواقع أن وجود حد أدنى من القيم المشتركة بين أفراد المجتمع، ووجود النصوص القانونية المؤطرة لهذه القيم بالإضافة إلى مؤسسات اجتماعية مروِّجة لها، بات أمر لا يكفي لترجمتها إلى واقع ملموس يؤطر السلوك الصادر عن أغلبية أفراد المجتمع؛ بل لا بد من توفر عنصر آخر، جعل ابن خلدون قيام الدول وانهيارها رهبن بتوفره من عدمه، وهو “العصبية”؛ وهذا يعني، بما أننا في مجتمع مفتوح ومُخترق ولم تعد العصبية تنتقل بشكل عفوي من جيل لآخر، أن على المؤسسات التعليمية أن تُربي الناشئة على العصبية لقيم المجتمع، عصبية تمكن هذا الأخير من حماية ثوابته بنفسه، ثوابت من دونها يفقد هويته، ويتحول إلى ما يشبه سوق يربح فيه من يدفع السعر الأعلى والأغلى. وتقف فيه القوانين والمؤسسات الزجرية موقف المتفرج العاجز غير القادر عن الفعل، بعدما استفحل الشر وانتشر وطبَّع معه المجتمع؛ فتكون نتيجة ذلك تلاشي الحضارة المتمكِّنة، وترنُّح الدولة بين طوْريْ الفراغ والدعة لتحصيل الثمرات و طور الهرم والانقراض. إن مطلب العصبية هذا هو القادر على منح المجتمع حصانة ذاتية تمنع أي اختراق محتمل لأمنه القيْمي والثقافي، فينعم في ظلها بروابط اجتماعية قوية، ودرجة عالية من التضامن والتآزر، يصبح معها اللجوء إلى القوانين الزجرية استثناء لا قاعدة، وتتجه كل الإرادات إلى التعاون من أجل بناء وطن يضمن العيش الكريم لكل أفراده، ويعتز بقيمه وحضارته بين قيم وحضارات الأمم. وكيف لمثل هذا ألا يحدث إذا دأبت مؤسساتنا التربوية على تلقين أبنائنا، أن أي سلوك لا يتماشى مع قيم هويتنا، هو سلوك مرفوض لا ينبغي أن نُقر صاحبه عليه، ناهيك على أن نجاِريه فيه، كما أن الوقوف إلى جانب المظلوم الذي هُضِِِم حقه واجب تحتمه علينا عقيدتنا وقيمنا. قد نجد لمثل هذه الدعوة صدى في بعض التوجيهات الرسمية الصادرة عن وزارة التربية الوطنية من قبيل ما جاءت به المذكرة رقم 177 في شأن تعميم منهاج التربية على حقوق الإنسان والتي من بين ما نصت عليه ما يلي: “تشجيع التلاميذ على اتخاذ مواقف وسلوكات تعبر عن وعيهم بحقوقهم والدفاع عن حقوق الغير” ؛ غير أنها تبقى مجرد دعوة لن تؤثر في سلوك أبنائنا، ما لم يتم اتخاذ تدابير أخرى من قبيل إعطاء القدوة والحد من النزعة الفردانية وما تستند إليه من قيم غِريبة عن مجتمعنا، ولا ترى في المجتمع ككيان غير عنصر غير مرغوب فيه يُكبل الفرد بقيود غير ذات نفع وتمنع عنه استمتاعه بحريته كاملة غير منقوصة.
لا ينبغي أن يُفهم من هذه الدعوة أنها دعوة لتنشئة أبنائنا على التعصب والتطرف، أو أنها دعوة للانغلاق وللاتسامح وعدم الانفتاح على الآخر، أو رغبة للتخلص من الحرية الفردية واغتيالها وإرغام للفرد على الرضوخ لجبرية قد تلغي ذاته، بل على العكس من ذلك تماما هي دعوة إلى الحرية، لكنها حرية منضبطة للقيم الأصيلة للمجتمع، إنها دعوة لإعادة الاعتبار لكيان المجتمع وذلك بالاعتزاز والافتخار بقيمنا والنظر إليها باعتبارها قيما مطلقة غير نسبية،لا تتبدل ولا تتغير بتغير الظروف الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وما يعنيه ذلك من استعداد لبدل الغالي والنفيس في سبيل المحافظة عليها والدفاع عنها، دون أن يعني ذلك بأي حال من الأحوال محاولة فرضها بالقوة على الآخر. كما أن العصبية في الفكر الخلدوني لم تُفهم في يوم من الأيام على أنها تعصب وتطرف، وإنما فُهمت على الدوام بأنها آلية وميكانيزم يحافظ بواسطتها المجتمع على وحدته وقوته، بما يمكنه من الظفر والانتصار الذي هو مطمح جميع التجمعات البشرية. وإذا كانت بعض الأذهان تُصِرُُّ على الربط بين “المطلق” والتعصب ورفض الانفتاح، نُشير إلى أن استمرارية أي مجتمع رهين بما يتم تمريره للأجيال اللاحقة من ثوابت لا تتبدل ولا تتغير مع مرور الزمن والأيام، وأنه بدون هذه الثوابت تتبدل هوية المجتمع من جيل لآخر، وقد نحصل على مجتمع هجين تُمزِّقه صراعات أجيال بهُوِّيات مختلفة. كما أن الانفتاح لا يعني التخلي عن الثوابت المميزة للهوية وإلا عُدَّ استلابا وتبعيِّة تنم عن هزيمة داخلية.
إذا كان مفهوم “العصبية” قد حقق نجاحا كبيرا على المستوى السوسيولوجي، باعتباره عنصرا أساسيا في قيام الدولة أو انحطاطها، فإنه كذلك على المستوى القيمي لا يقل أهمية، إذ بدون روح العصبية هذه، تتحول القيم إلى مجرد واجهة تُزين الخطاب السياسي كما المقررات والمناهج الدراسية، بدون أثر فعلي على الممارسات والسلوكات اليومية للأفراد، مما يؤدي إلى تنشئة أجيال فاقدة للثقة في نفسها، بسبب ما تعانيه من حيرة في تحديد هويتها؛ لذلك فإنه على المؤسسات التعليمية أن تبدل جهودا كبيرة في سبيل بث روح العصبية لقيم المجتمع في نفوس الناشئة.
لم يكتفي ابن خلدون بالحديث في مقدمته عن “العصبية” وأثرها الحاسم في نشوء الدول وانحلالها، وإنما تحدث كذلك عن التعلم وشروطه، وقال بأن الإنسان يولد وهو جاهل للمعرفة بمختلف أصنافها، وهو بذلك عبارة عن “مادة خام” لا يكتسب تمام إنسانيته إلا بالمعرفة التي يكتسبها تدريجيا بحواسه؛ وفي هذا القول تشابه كبير مع ما قال به البريطاني جون لوك من بعد ابن خلدون بمئات السنين “يولد الإنسان وهو صفحة بيضاء”. كما أن لابن خلدون تصور بيداغوجي قائم على مجموعة من المبادئ، يَتأتى فهمها في ضوء نظريته في المعرفة؛ فالمعرفة بالنسبة له نوعان: نوع يتكون عن طريق الوحي بالنسبة للغيبيات، وهو يخص الأنبياء. ونوع ثاني يتكون عن طريق العقل في الموجودات، وهو النوع الذي ركز عليه لبيان تصوره لأنه يؤدي إلى تكوُّن”الملكات”، التي هي الهدف الذي تسعى إليه كل الممارسات البيداغوجية سواء تعلق الأمر بالعلوم والفنون أو القيم الدينية والأخلاقية. والملكات في نظر ابن خلدون هي استعداد ثابت يتكون في النفس البشرية، بحيث لا يعتريها الزوال حينما تترسخ، وهو يشبهها بالصباغة التي يُطلى بها القماش، والتي لا تزول منه إلا بعد تمزقه. ويبقى السؤال عن كيفية تشكُّلها؟
يقول ابن خلدون بأن كل “الملكات” تتشكل في النفس بواسطة الحواس، بما يعني أنها معرفة عقلية مكتسبة، ناتجة عن إعمال العقل فيما تُدركه حواس الإنسان من الموجودات المحيطة به؛ ويلاحَظ هنا أن ابن خلدون بوأ العقل مكانة مرموقة، إذ هو وحده المكلف بالنظر في الأمور التي تستطيع حواس البشر أن تمده بمعلومات عنها، قاطعا الطريق بذلك أمام كل أنواع الدَّجل والخرافة التي عانت منها أمم أشد المعانات في زمان ابن خلدون وبعده بقرون طويلة. ويضيف ابن خلدون أن اكتساب هذه الملكات، أي حصول عملية التعلم، يتطلب في البدء تكرارا مستمرا إلى أن تترسخ المعرفة في النفس، أما جودة التعليم فإنما تكون بقدر جودة ما نتعلمه، وبقدر ما كان التعلم يتم بالتطبيق أي بالمباشرة، ويتم بواسطة مدرسين أكفاء، وباعتماد طرائق الملاحظة المباشرة؛ على أن يبدأ في سن مبكرة. “وسبب ذلك أن تعليم الصِّغر أشد رسوخا وهو أصل لما بعده، لأن السّابق الأوّل للقلوب كالأساس للملكات. وعلى حسب الأساس وأساليبه يكون حال ما ينبني عليه.”
ويشير ابن خلدون إلى عامل آخر مهم في تكوين الملكات، وهو عامل السلطة، في إشارة إلى طبيعة العلاقة التي ينبغي أن تربط بين المدرس والمتعلم. وإذا كان البعض يرى أن التربية في الإسلام متشددة عموما في هذه المسألة، اعتبارا لفهم مُعين لبعض الأحاديث النبوية الشريفة التي وردت فيها إشارة إلى ضرب طفل العاشرة إذا كان تاركا للصلاة، فإن ابن خلدون على العكس من ذلك تماما، يدعو إلى عدم الشدة على المتعلمين وخصوصا صغار السّن منهم لما يترتب عن ذلك من مفاسد تضر عِلمهم وأخلاقهم، ” وذلك أن إرهاق الحد في التعليم مضر بالمتعلم، سيما في أصاغر الولد، لأنه من سوء الملكة. ومن كان مرباه بالعسف والقهر من المتعلمين أو المماليك أو الخدم، سطا به القهر وضيق على النفي في انبساطها، وذهب بنشاطها ودعاه إلى الكسل وحمل على الكذب والخبث.. وعلمه المكر والخديعة لذلك، وصارت له هذه عادة وخلقا، وفسدت معاني الإنسانية التي له من حيث الاجتماع والتمدن.. بل وكسلت النفس عن اكتساب الفضائل والخلق الجميل، فانقبضت عن غايتها ومدى إنسانيتها، فارتكس وعاد في أسفل السّافلين. ”
ابن خلدون كان له رأي أيضا فيما يتعلق بطرائق التعليم ومحتواه، وقال بأن امتلاك ملكة أي علم من العلوم إنما ينبغي أن يتم بالتدريج، وأن يأخذ بعين الاعتبار استعدادات المتعلمين وميولهم، بالإضافة إلى سن المتعلم؛ ولذلك تحدث عن ثلاثة مراحل ينبغي للتعليم المفيد أن يسلكها حتى تتحقق الغاية المرجوة منه، وهذه المراحل هي:
• مرحلة الإعداد: والهدف منها استئناس المتعلم وإعداده لفهم المعرفة، لذلك ينبغي أن يقتصر تعليمه على أصول المادة المراد تعلُّمها، وأن يكون الشرح مبسطا ومجملا، مما يمكن المتعلم من الإحاطة بالمسائل الأساسية لتلك المادة، على أن يراعى في ذلك قدرة المتعلم واستعداده للفهم. وفي ذلك يقول ابن خلدون: “اعلم أن تلقين العلوم للمتعلمين إنما يكون مفيدا، إذا كان على التدريج، شيئا فشيئا وقليلا قليلا، يلقى عليه أولا مسائل من كل باب من الفن هي أصول ذلك الباب. ويقرب له في شرحها على سبيل الإجمال، ويراعى في ذك قوة عقله واستعداده لقبول ما يورد عليه، حتى ينتهي إلى آخر الفن، وعند ذلك يحصل له ملكة في ذلك العلم، إلا أنها جزئية وضعيفة .”
• مرحلة التعمّق: وفيها تكون الشروحات المقدمة للمتعلم مفصلة وعميقة، وتحضر كل وجهات النظر حول المادة المدرَّسة. “ثم يرجع به إلى الفن ثانية، فيرفعه في التلقين عن تلك الرتبة إلى أعلى منها، ويستوفي الشرح والبيان، ويخرج عن الإجمال ويذكر له ما هنالك من الخلاف ووجهه، على أن ينتهي إلى آخر الفن، فتجود ملكته .”
• مرحلة الإتقان والتمكُّن: وخلالها يتم التطرق إلى كل ما هو معقَّد، ومبهم وغامضِ في المادة، فيكون المتعلم قد اكتسب ملكة قوية قي ذلك العلم. “ثم يرجع به وقد شدا فلا يترك عويصا ولا مبهما ولا منغلقا إلا وضّحه، وفتح له مقفله، فيخلص من الفن وقد استولى على ملكته .”
وقد اشتكى ابن خلدون من كون كثيرا من المدرسين في عهده، “يجهلون طرق هذا التعليم وإفادته، ويحضرون للمتعلم في أول تعليمه المسائل المقفلة من العلم، يطالبونه بإحضار ذهنه في حلها، ويحسبون ذلك مرانا على التعليم وصوابا فيه.. .” وكأنه يتحدث عن أزمة تعصف بالتعليم في عهده، وانعكست على أوضاع الأمة الإسلامية سابقا وراهنا.
________________________________________________
























