لم أكن أعتقد في يوم من الأيام أن وفاة صديق عزيز يكون بمرتبة وفاة أخ شقيق أو أخت شقيقة. لم أكن أتصور أبدا أن يكون موته مريرا و قاسيا إلى هذا الحد. الطيبي البوعيبي كما عرفته؛
الطيبي البوعيبي الإنسان
كان عدد المرات التي كنا نلتقي فيها و نناقش بعض الأفكار و التي تحتمل أوجه اختلاف كثيرة، و رغم الاختلاف في بعض مضامين هذه الأفكار أو غاياتها، كان دائما الطيبي يستحضر العمق الإنساني و الأخلاقي و الثقافي في الدفاع عن فكرته و وجهة نظره لموضوع ما.
كم من مرة كان يتأسف لما يقع في أقصى بقاع العالم بل ما يقع في بعض مناطق بؤر التوتر حيث يذهب ضحيتها الآلاف من الضحايا الأبرياء، كانت تهتز مشاعره و بتعابير وجهه و قساماته كان يعبر عن المرارة التي تختلج صدره حين يصله خبر وفاة صديق أو رفيق و إن اختلف معه، و كذلك الأمر بالنسبة لحادثة سير تقع في مكان ما في هذا المعمور يكون الموت عنوانها، كثيرا ما كان البوعيبي يردد عبارته الشهيرة التي تنم عن حس و جداني إنساني رائع قائلا : ” ثلاثة أشياء لا أتمناها لأي شخص و إن اختلفت معه : الموت و المرض و السجن” و كأنه في دواخله يقول الإنسانية قبل كل شيء في الاختلاف حول أية قضية. يشهد له الخصوم قبل الأصدقاء بدماثة أخلاقه و صدق مشاعره كان لا يراوغ و لا يداهن ولا يرائي بل لم يكن يتحدث عن نفسه أبدا، لم يبحث عن منصب أو جاه بل كان يقدّم الآخرين ليتبوؤوا المناصب و يتراجع إلى الخلف.
بعد تقاعده لما عمل بإدارة المركز التربوي الجهوي بآسفي خلال سنوات ثمانينات القرن الماضي و بدايات الألفية الثالثة، لم يكن المعاش يكفيه لسد متطلبات العيش فكان يفلح أرضه ويحرثها تلك التي ورثها عن أجداده بضواحي المدينة ليغطي مصاريفه ولم يكن يستجدي أحدا أو يتاجر بماضيه النضالي الزاخر، إنه التعفف وتلك صفة أخرى تنضاف إلى رصيد مكارم أخلاقه.
البوعيبي عانى من غياهب السجون و من المرض الذي أنهكه حتى الموت، الثلاثي الذي كان لا يرغب في أن يبتلى بهم أحد.
الطيبي البوعيبي المناضل
لا يختلف اثنان بمسقط رأسه مدينة آسفي أو في المغرب كله حول البوعيبي كونه مناضلا من العيار الثقيل خبر السجون في زهرة عمره و هو ابن السادسة والعشرين ربيعا، حين حكم عليه بعشرين سنة نافذة في قضية ما عرف عنها آنذاك بمجموعة 73 بتهمة توزيعه لمناشير يتضامن فيها مع معتقلي وضحايا أحداث الثالث من شهر مارس، ليطلق سراحه بعد عفو ملكي رفقة 90 آخرين من المعتقلين بعدما أمضى منها سبع سنوات لم تنل من نضاليته أي شيء بل استمر كما كان مناضلا شغوفا على حساب وقته وماله وقوت عياله و زمن أسرته الصغيرة الذي كان يقضيه في الاجتماعات و غيرها من أنشطة حزبه، حتى بعد الانشقاق عن الحزب الوطني للقوات الشعبية و في صفوف الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، و كذلك في صفوف حزب الطليعة الاشتراكي الديمقراطي ثم رئيسا للمنتدى المغربي من أجل الحقيقة الإنصاف بفرع آسفي، ناهيك عن كونه من المؤسسين الأوائل لفرع الجمعية المغربية لحقوق الإنسان بآسفي.
البوعيبي لم يترك سنوات الاعتقال هذه تمر هباء بل استثمرها في القراءة فنهل من معين كتب الفكر العالمي من فلسفة و سياسة و تاريخ و اجتماع و علم النفس و الفكر الإسلامي ورواية، فكون فكرا شاملا جعل منه مثقفا كونيا.
الطيبي البوعيبي المثقف العضوي
و لم لا و هو أستاذ التاريخ والجغرافيا، التلميذ الذي درس بثانوية محمد الخامس بالرباط، وبعد ذلك إلى جامعة محمد الخامس التي لم يكمل فيها دراسته الجامعية بسبب أستاذ كما يحكي هو؛ استثماره هذا لتلك السنوات خلق منه شخصية تعرف حقيقة أهمية التاريخ، حتى أنه في نقاشاته كان يستدل لمرحلة ما باليوم والسنة، جعلته ذاكرة متحركة لتواريخ الأمم و بخاصة تاريخ المغرب، كثيرا ما كان البوعيبي ينصحنا في لقاءاتنا معه أن لا نغفل قراءة التاريخ و علم الاجتماع ” فبدونهما لا يمكنك أن تستوعب الحاضر و تستشرف المستقبل” يقول دائما، مؤكدا على أهمية الفلسفة في صقل الفكر و ضبط المفاهيم.
كان البوعيبي كلما قرأ مقالا بجريدة ما جانب حقيقة التأريخ لمرحلة ما، تجود قريحته بمقال يسلط عليها أشعة الضوء كاملة بموضوعية المؤرخ والمفكر، تحدث عن تاريخ مصر و السودان و سوريا و الجزائر و أمريكا اللاتينية وغيرها من التواريخ، صحح عدة مغالطات كتبت عن التاريخ المغربي الحديث. وفي هذا السياق كتب البوعيبي في جريدة الاتحاد الاشتراكي و المساء وجريدتي الأيام و الصحيفة الأسبوعيتين، و مجلة أسيف التي كان يشكل فيها ركيزة أساسية في هيئتها التحريرية، كما عمل مراسلا لجريدة الطريق، دون أن نغفل المحاضرات و الندوات التي كان ينظمها و يؤطرها باسم المنتدى المغربي من أجل الحقيقة و الإنصاف.
على سبيل الختم
مات الأستاذ الطيبي البوعيبي و في جعبته الكثير من الأشياء لم يسعفه ضيق الزمان والمكان أن يبوح بها، مات وكتابه الذي ألفه لم ينر النور حيث مازال رهين خزانته على بساطتها زاخرة بأمهات الكتب.
مات الطيبي البوعيبي مناضلا شامخا، كثيرا ما كان يردد عبارته : ” لم أترك لأبنائي ثروة بل تركت لهم مجدا يفتخرون به ” مات البوعيبي محبا لوطنه حتى النخاع مدافعا عن وحدته الترابية التي يراها ممتدة في حدود ما يسمى بالمغرب الأقصى شرقا إلى فزان وجنوبا إلى نهر السنغال وشمالا إلى البحر الأبيض المتوسط وغربا إلى المحيط الأطلسي، مات البوعيبي محبا لأهله و أبناء و طنه…
مات البوعيبي فبكاه الكثير، حضر الجميع لتشييع جنازته ليوارى الثرى الخميس 6 مارس 2014، و يغادرنا في رحلته الأخيرة و إلى الأبد…





















