الأدب النسوي…بين التداول والانتقاد

علي عمار13 ديسمبر 2014
الأدب النسوي…بين التداول والانتقاد

جامعة تلمسان الجزائر.
التحق مصطلح الأدب النسوي حقل التداول الثقافي والنـقدي العربي في النصف الثاني من سبعينات القرن العشـريــــــن، ولعبت وسائل الاعلام الأدبية دوراً هاماً في هــذا المجــال إذ كانت أول من طرح المصطلح للتداول الأدبي، ممـــا جـــــعل المصطلح يشير في معناه إلى الأدب الذي تكتبه الـــمرأة، أي أنه ارتبط بمفهوم الهوية الجنسانية للمرأة، وقد كشف ذلــك عن الفقر النظري والمنهجي ـ إن لم نقل ـ غيابهما، الـــــذي ترافق مع استخدام المصطلح، وكان من الطبيعي أن يؤثـــــر ذلك على عملية استقبال المصطلح، والتعاطي معه حتـــى أن الكثير من الكاتبات والكتاب العرب فهموا منه أنه يضع الأدب الذي تكتبه المرأة في مقابل الأدب الذي يكتبه الـــــــــــرجل.
إن فهم المصطلح على هذا الأساس قد دفع العديد مـــــــــــن الكاتبات إلى رفضه لأنهن وجدن فيه محاولة لتـــقسيم الأدب على أساس الهوية الجنسانية لكاتبه أو كاتبته، من أجـــــــل تكريس وضع المرأة القائم وإعاقة عملية اندماجها فــــــــي المجتمع«1» في حين رأت كاتبة أخرى أن الحديث عن أدب نسوي هو طرح خاطئ، ومفتعل لقضية الأدب، كما أن المرأة تستخدم سلاح أنوثتها من أجل ترويج كلماتها في مجتمـــــع مكبوت تاريخياً«2».
لقد توزعت مواقف المرأة الكاتبة من مصطلح الكتابـــــــــة النسوية على ثلاثة مواقف، أولها الرافضة كلياً له وقــــــــد تميزت المرأة الكاتبة بالمسارعة إلى هذا الرفض منذ بدايات طرحه للتداول وكان هذا الموقف غريباً، ويعبر عن حساسية خاصة تجاهه لاسيما عند الجيل الذي استطاع أن يـــــــحقق حضوره الأدبي ويكرس شهرته، كما هـــــــو الحـــــــــــــال بالــــــنسبــــة للأديبة غادة السمان على الرغم أن شهرتـها حققتها مــــــــن خلال أدب يعبر عن تمرد المرأة على الواقع الاجتماعـــــــــي والثقافي القائم، وعلى سلطة المجتـــــــمع الأبوي وتقالــــــــــيده المختلفة، التي تحول دون تـــــــحرر المرأة وانطلاقها، وتعبيرها عن ذاتها، ووجــــــــــــــــودها ومشاعرها، حيث كانت المرأة هي بطلة قصصها ورواياتها بامتياز.
الموقف الثاني تمثل في الوسطية، فهو يقر من جــــــــــهـة بخصوصية التجربة التاريخية والاجتماعية التي عاشتــهـــا المرأة، وطبعتها بطابع خاص، ومن جهة أخرى يرفــض أن تكون هذه الخصوصية نابعة من خصوصية طبيعية تــــلازم المرأة، أما الموقف الثالث فهو الموقف الـــذي تلــــــــــــقف المصطلح، وراح يدافع عنه ويتبناه، ويعمل على توظيفه في الثقافة والأدب العربيين، ولكن من دون وعي نظـــــــــــري ومنهجي واضح ومتبلور، والحقيقة أن غياب هذا الأســاس النظري والمنهجي عند الكاتبات والناقدات العربيــــــــــــات المدافعات عن شرعية المصطلح، لم يكن بعيداً عن حــــــال الحركة الأدبية النسوية في الغرب، وهي الحركة التي تشكلت في نهاية النصف الثاني من ستينات القرن العشرين، فــــــي نفس المرحلة التي كانت تشهد فورة في مناهج النقد الحديثة في الغرب، مما أثر على عملية استقبال النقد النسوي، وأدى إلى تجاهله مرحلة من الزمن لاسيما في الوسط النـــــــقدي الأكاديمي.
لم يكن هناك اختلاف بين أشكال التعاطي مع مفهوم الكتابة النسوية في الغرب، وهذه الأشكال عند الكاتبات العربيــات، فقد اتخذ هذا التعاطي شكلاً من الرفض الكامل، وآخر مــن الاعتراف المؤقت، وكان الموقف الثالث هو المـــوقـــــــف المتحمس، والمدافع عنه، ولاشك أن هذه المواقف استندت في موقفها إلى خلفيات ثقافية وسياسية، فالموقف الوسطي المتمثل في التيار المعترف بوجود خصوصية تاريخـــــــية واجتماعية لتجربة المرأة وحياتها، هو التيار المستند فــي وعيه على أساس أيديولوجي ماركسي، سواء أكان تيــــار الكاتبات الغربيات أو التيار العربي، وقد عرف بالتيا المادي الذي اهتم بكيفية ظهور مفهوم الأنوثة من خلال الظـروف الاجتماعية الواقعية.
لقد جاء استخدام المصطلح في الثقافة والأدب العربيين فــي مرحلة كان فيها النقد النسوي في الغرب يحاول أن يؤســس قاعدة نظرية للكتابة النسوية، الأمر الذي انعكس على عملية استيعاب حدود المصطلح ودلالاته، وأسسه النظريـــــــــــــة والمنهجية، وسيمر أكثر من عقد من الزمن على شيــــــوع استخدامه حتى تظهر الكتابات النقدية العربية التي تؤسـس نظرياً له، وتعمل على التعريف بمفاهيمه وأدواته ومنظوره ومرجعياته النقدية والمعرفية المختلفة، كما ستساهم الكتب المترجمة التي تتناول تاريخ المصطلح، ورموزه النقديــــــة والأدبية من الكاتبات الغربيات، واتجاه ،وواقع الحركــــــات الأدبية النسوية وتياراتها، وعلاقتها بالعلوم الإنسانيـــــــــة الأخرى بدور هام في مجال استيعاب حركة النقد النســـــوي ومفاهيمه، وطروحاته مما أدى إلى زيادة النقد النســــــوي، وتوجهاته للكشف عن الثيمات والعلامات التي تمنـــــــــــح النصوص الأدبية التي تكتبها النساء ملامحها الخاصة، ويعد عقد التسعينات من القرن العشرين هو عقد فورة الكتابـــات النسوية لاسيما في مجال الرواية والنقد في مصر والمغرب ولبنان والعراق وبعض دول الخليج العربي وسوريا.
إن اتساع مساحة تداول المصطلح، وتعزز حضوره فـــــــي الثقافة والأدب العربيين ارتبط بشكل كبير بظهور جيل جديد من الكاتبات العربيات، عملن من خلال إدراكهن لخصوصية وضعهن كنساء، ولبلاغة الاختــــلاف على تطوير ممارسة الكتابة النسوية وإغنائها، وتثمير معناها، وتــــطوير أفقها النظري والجمالي بما يعمق من فاعلـــــــية هذه الممارسة، ويثري تقاليدها وقيمها الفكرية والجمــــالية، ولم يكن تعزز فاعلية الأدب والنقد النسويين بـــــــعيداً عن تطور واتساع الحركات النسوية في المجتمع الـــعربي، وتزايد دورها في الثقافة والــــــحياة الاجتمـــــاعية والاقتصـــــاديـــــــــــــــة.
ولما عانت الكاتبات النسويات في الغرب من إشكالية تعريف كلمة النسوي، فإن الكاتبات العربيات، واجهن نـــــــــــفس الإشكالية وامتد الخلاف إلى مجال الكلمة الأكثر تعبيراً عــن هوية كتابة النساء إذ رأت بعض النــــــاقدات أن كلــــــــمة «النسوي» هي الكلمة التي يجب أن تسمى بها هذه الكتابات، في حين أن ناقدات أخريات طالبن باستبدال كلمة «النسوي» بكلمة «الأنثى» على العكس من المنظور الذي انطلقت منه ممثلات الاتجاه الأول من الناقدات.
ولكي نفهم طبيعة الإشكاليات التي تواجه الكتابة النسوية، ومرجعياتها لابد من الحديث عن تاريخ الحركة الأدبيــــة النسوية في الغرب بشكل مكثف، وعن طروحـــــــــات أهم ممثلاتها، فقد جاء ظهور هذه الحركة مترافقاً مع صمــود الحركات النسوية في الغرب ونضالها من أجل استــــــرداد حقوق المرأة، وتحقيق حريتها، وحاول النقد النسوي كغيره من المناهج النقدية الحداثية أن ينفتح على العلوم الإنسانية، ويتمثل معارفها في مجال صياغة النظريات النقدية النسوية وبلورة مفاهيمها وأدواتها المنهجية.
لقد استخدمت النظريات الخاصة بالنقد النسوي أربعة أنماط من الفروق هي البيولوجي ،واللغوي، والتحليل النفســـــي، والثقافي«3» وانشغلت هذه الأنماط الثلاثة في تحديد وتمييز خصائص ومميزات المرأة الكاتبة، وإذ طالبت إحدى رائدات هذا الاتجاه بضرورة أن تعبر المرأة عن كل ما لديها ومــــا تحس به«4» فإنها أكدت أن ما تكتبه المرأة «هو دائــــــماً نسائي لا يمكنه إلا أن يكون نسائياً، وفي أحسن حالاته يكون نسائياً على أكمل وجه، لكن الصعوبة الوحيدة تكــــــمن في تعريف ما نعنيه بكلمة نسائي » «5» أما هيلين سيـــــــكسو فتؤكد أن «من المستحيل أن نعرف الممارسة النســــــــائية للكتابة، وهذه استحالة ستبقى لأن هذه الممارسة لن تـــنظر وتحصر وتوضع لها رموزها الخاصة، لكن هذا لا يعني أن هذه الممارسة غير موجودة » «6» ومن المــــــعروف أن محاولات تعريف ما هو نسائي من قبل رائدات النقد النسوي بدأت في عقد السبعينات من القرن الماضي.
وتذهب إيلين شوالتر الناقدة النسوية إلى الربط بين مفهوم الخصوصية في الكتابة النسوية، واختلاف الحياة الـــــتي تحياها المرأة، والواجبات المنوطة بها حيث ينتج عن ذلـك كما ترى «مضمون مختلف في أعمالها الأدبية، وإن هنـاك من الملامح المشتركة بين هؤلاء المؤلفات، ما يكفي لرسم تقاليد أدبية نسائية واضحة ومحددة» ص 198، وإذ كــــان الخيال هو الملمح المشترك في هذه الكتابات، فإن ثمة أنماطاً وموضوعات ومشاكل وصوراً معينة تجمع بين هذه الكتابات من جيل إلى جيل أيضاً، وهي تحدد المراحل التي مرت بـها الكتابة الأنثوية بثلاث مراحل أولها مرحلة المحاكاة للأشكال الأدبية السائدة وتقاليدها الأدبية المهيمنة وثانيها مرحــــلة الاعتراض على هذه المعايير والقيم، ثم هناك أخيراً مرحلة اكتشاف الذات، وقد أطلقت على المرحلة الأولى تسميــــة «المؤنثة» وعلى الثانية «النسوية» والثالثة «الأنثويـــة».
وكما هو واضح فإن هناك ثلاثة مفاهيم يجب تحديد معناها لإزالة اللبس، أو التداخل بين حدود ومجال اشتعالها الدلالي إذ إن هناك «المؤنث» و«النسوي» و«الأنثوي» ولهذا تظهر الإشكالية الأولى المتمثلة في إشكالية ضبط المصطلــــــــح، وتحديد معناه الدلالي وصياغته.
وسنجد أن هذه الإشكالية حاضرة في اختلاف الناقــــــــدات النسويات العربيات على استخدام الصفة المميزة لكــــــتابة المرأة، كذلك فإن المرجعيات الفكرية التي تستند إليها الناقدة النسوية في تشكيل منظورها إلى مفهوم الكتابة النســــوية، ستلعب دوراً مركزياً في تحديد طبيعة الرؤية إلى هــــــــــذه الكتابة، والموقف منها، وسنجد أن هذه الظاهرة مشتركـــة بين النقدين النسويين في الثقافة الغربية والثقافة العربيــة.
لاشك أن قضية ضبط المصطلح وتعيين حدوده ومجـــــــال اشتغاله الدلالي تعد من القضايا الإشكالية البارزة فـــــــــي المناهج النقدية الحداثية وما بعد الحداثية، وهي ترتبـــــط أساساً بتعدد التيارات النقدية، والاجتهادات والمرجعيات التي تستند إليها هذه التيارات في صياغة رؤيتها ومفاهيمـــها وأدواتها ولذلك فإن هذه القضية لا تخص النقد النســــوي وحده، ولا تدل على ضبابية الرؤية، والاختلاف في المفاهيم داخل حقل الممارسة النقدية النسوية فقط، بل هي تطال كل هذه المناهج النقدية بتياراتها المختلفة.
رفضت الناقدة العراقية نازك الاعرجي التي تعتبر مـــــــن الناقدات النسويات المجتهدات في هذا المجال استخـــــدام مصطلح الكتابة الأنثوية، لأن الأنوثة كمفهوم تعني لها «7» ما تقوم به الأنثى، وما تتصف به وتنضبط إليه» ص 26، فلفظ الأنثى «يستدعي على الفور وظيفتها الجنسية، وذلــك لفرط ما استخدم اللفظ لوصف الضعف والرقة والاستســـلام والسلبية «8».
ص 31، وبناء على استخدامات هذا المفهوم في الثقافــــــة والمجتمع العربيين، تدعو الناقدة إلى استخدام آخر هــــــــو مصطلح الكتابة النسوية لأن هذا المصطلح «يقدم المـــــرأة والإطار المحيط بها ـ المادي والبشري والعرفي والاعتباري .. الخ ـ في حالة حركة وجدل «9» ص 35.
وتسعى الناقدة ـ كما هو واضح ـ إلى صياغة بديلة تحــــرر المصطلح من المعنى الدلالي في مجال تداوله الثــــــــقافي والاجتماعي، وليس انطلاقاً من مفهوم لغوي/ معرفي، ذلك أن الحساسية القارة تجاه استخداماته هي التي تدفع الناقدة للبحث عن مصطلح بديل.
لكن الناقدة تكشف في عنوان كتابها عن الاختلاط والتداخل في الرؤية والمفهوم، مما يكشف عن إشكالية المصطلح في هذه الكتابات فهي تعنون كتابها بـ «صوت الأنثى» وتضــع عنواناً تالياً هو «دراسات في الكتابة النسوية العربية» فإذا كانت ترفض مصطلح الكتابة الأنثوية، فكيف تطلق صــــفة الأنثى على هذه الكتابات، ثم تعود لاستخدام مفهوم النسوية في عنوان فرعي لاحق.
وتبدي الأعرجي استغرابها من مقاومة الوسط الثقـــــــافي العربي لهذا المصطلح، لأن ذلك أدى إلى عدم تفحــــــــصه وترشيده وتأصيله، ثم تحاول أن تشرح أسباب مقاومـــــة المرأة/ الكاتبة للمصطلح و«للنوع والتسمية والتــوصيف:
«النسوي» لأنها ببساطة تريد أن تخرج من حصار «الفئة» الموصوفة بجنسها إلى فضاء «النصف المشارك» المجرد من جنسه إلا أنها في الوقت نفسه، تدرك في قرارة وعيها أن ذلك لن يتحقق إلا لفظياً، وأنها محكومة بحتمية شـــــرط جنسها، وتزداد مقاومة لتصنيف نتاجها الأدبي والذهني بأنه نسوي «10» ص 12.
وتقترح الدكتورة زهرة الجلاصي استخدام مصطلح «النص الأنثوي» بديلاً لمصطلح «النقد النسوي» أو الكتابـــــــــــة النسوية، مؤكدة على التعارض بين المصطلحين من حــيث الدلالة والمعنى، إذ إن مصطلح النص الأنثوي «يعرف نفسه استناداً إلى آليات الاختلاف، لا الميز وهو في غنى عـــــــن المقالة التقليدية «مؤنث/ مذكر» بكل محمولاتـــــــــــــــــها الأيديولوجية الصدامية، التي صارت اليوم تستفز الجمـــيع النص المؤنث ليس «النص النسائي»، ففي مصطلــــــــــح «نسائي» معنى التخصيص الموحى بالحصر والانغلاق في دائرة جنس النساء، بينما ينزع «المؤنث» الذي نتراضـــى عليه إلى الاشتغال في مجال أرحب مما يخول تجاوز عقبـة الفعل الاعتباطي في تصنيف الإبداع احتكاماً لعوامل خارجية على غرار جنس المبدع» «11» ص 11.
ويتميز هذا النص عند الناقدة بالرفض للانطلاق مــــــن أي تصنيف مسبق، كما يتميز بوجود علامات «مؤنث » فـــــي تشكيل تعبيراته، إضافة إلى تعريفه لنفسه «من خلال حركة ممارسة فعل الكتابة ويمكن مقاربته اعتماداً على قانــــــون افتراضي مؤقت، وقصد رصد المختلف فيه» «12» ص 11.
وبعد أن تقدم نقدها لما طرحته بعض الناقدات من تسـاؤلات جوهرية بخصوص المصطلح تشير إلى أن الناقدة رشيدة بن مسعود «اتجهت إلى رد الاعتبار إلى المصطلح، وتخلــيصه من التأملات الخاطئة، لكنها لم تحدد المفاهيم الإيجــــــــابية الممكنة لمصطلح «نسائي» رغم أنها تخطت المظـــــــــــهر الخارجي لغاية توجيه التحليل نحو مقاربة النص الذي تكتبه المرأة من الداخل، وحددت خالدة سعيد من جانبها صفاتها فعل الكتابة عند النساء واعتبرت الخصوصية هي المنطلق » «13» ص 12.
وتطرح جلاصي تساؤلات منهجية حول مفهوم الخصوصية ومدى اعتبارها صفة ملازمة لما تكتبه النساء، وكذلك حول مدى وعي المرأة المسبق بهذه الخصوصية، على أن هناك أكثر من سؤال يتفرع من تلك التساؤلات ويتعلق بغمـــوض المصطلح وعمومية معناه الدلالي، وبشكل أكثر وضوحاً هل يكفي أن يكون كل أدب تكتبه المرأة هو أدباً نســـــــــــائياً؟
وكما أشارت الجلاصي إلى غياب تحديد معنى المصطلــــح دلالياً، تحديداً واضحاً من قبل رشيدة بن مسعود، فإن بـــن مسعود تنطلق في هذا التحديد من سؤال الخصوصية الذي تؤكد عليه في عنوان الكتاب، وتبين أن «علاقة المـــــرأة بالممارسة الأدبية والمكانية التي احتلتها في تاريخ الكتابة الأدبية، يجب أن ينظر إليها من زاويتين طبعتا سيــــرورة الإبداع النسوي وتطوره، زاوية الخلق والإبداع التي تبـدو من خلاله المرأة كذات فاعلة ومنتجة، والزاوية التي تحضر فيها المرأة كمادة للاستهلاك يستمد منها الرجل/المبــــدع انتاجه الفني» «14» ص7.
وترفض الناقدة مقولة التمييز بين الأدب كمفهوم عـــــــام، والأدب النسائي كمفهوم خاص، وهي تعتبر مساهمة المرأة في الإنتاج الأدبي وسيلة من وسائل تحرر المرأة، وإغنــاء وعيها وتعميق تجربتها في الحياة وإقامة علاقة جمالية مع الواقع، إلا أن ناقدة مثل يمنى العيد ترفض الانطلاق من هذه الخصوصية «لأنها تعيق مساهمتها في ميادين الإنتــــــــاج الاجتماعي والتي منها الأدب» «15»، لأنها تعود لتعتــرف بهذه الخصوصية على أن لاتعد «خصوصية طبيعية ثـــابتة، بل هي ظاهرة تجد أساسها في الواقع الاجتماعي، التاريخي الذي عاشته المرأة» «16» وفي ضوء هذا الفهم تحـــــــدد خصوصية الأدب النسوي بالتمركز حول الذات، ورفـــــــض السلطة الذكورية، والبحث عن الحرية.
وعلى غرار هذا الموقف الوسطي ليمنى العيد، تقر خنــــاثة بنونة من المغرب بوجود هذا التصنيف عند الجيل الجديد من الكاتبات وما يقدمنه من وجهة نظر بهذا الخصــــــــوص، إذ يكون هنا «التصنيف مبرراً، لكن عقد الجيد الجديد الـــــــذي يحمل أفكاراً متطورة، ويقدم الوضع ضمن منظورات واقعية وحديثة» «17» ص53 وهي تربط هنا بين الخصــــــوصية والوعي الجديد بالخصوصية عند هؤلاء الكاتبات الـجدد، إلا أنها تعود في النهاية لتعتبر أن هذه «التصنيفات عابـرة، إذا كانت المرأة تمتلك الجدارة الفكرية والاجتماعيـــة» «18» ص53.
وفيما تؤكد الكاتبة بنونة على عدم ثبوت هذه التصنيفــــات، تحدد الناقدة بن مسعود خصائص الكتابة النسوية الــــــــتي تميزها عن كتابة الرجال، وتأتي الوظيفة التعبيرية التي تؤكد على دور المرسل في طليعة هذه الخصائص، مما يجعلــــها تصل «إلى خلاصة هي أن الكتابة النسوية ـ وهذا رأي عـام ـ تتميز بحضور مرتفع نسبياً لدور المرســـل »«19» ص93، كما أن هناك حضوراً للوظيفة اللغوية «التــــــــــي يقع فيها التركيز على القناة كوسيلة للاتصال في حد ذاته، تمكن مـن المحافظة على الروابط والعلاقات الاجتمــــــــاعية» «20» ص94، وتتجلى هذه الوظيفة اللغوية من خلال الإطـــــناب والتكرار كما تقول، وتكاد تتفق أغلب الناقدات النسوية على أن وجود الخصوصية في الكتابة الأدبية النسوية، ترتـــبط بوجود وعي نسوي عند الكاتبات من النسا، فلا يكفــــي أن تكون المرأة هي الكاتبة حتى نجد هذه الخصوصية فــــي نصها، ولعل هذا الاشتراط هو الذي يدفع زهرة الجلاصي لربط الخصوصية في الكتابة النسوية بتوفر علامـــــــات «المؤنث» فيها.
وينطلق الناقد الدكتور عبدالله محمد الغذامي في تحديــــــده لمفهوم الكتابة النسوية من نفس المنظور الذي يشترط توفر وعي المرأة/ الكاتبة بذاتها ووجودها، لأن «هناك نســـــاء كثيرات كتبن بقلم الرجل ولغته وبعقليته، وكن ضيفــــــــات أنيقات على صالون اللغة، إنهن نساء استرجلن وبذلك كان دورهن دوراً عكسياً إذ عزز قيم الفحولة في اللغة.. من هنا تصبح كتابة المرأة ـ اليوم ـ ليست مجرد عمل فردي مــــن حيث التأليف أو من حيث النوع، إنها بالضرورة صــــــوت جماعي فالمؤلفة هنا وكذلك اللغة هما وجودان ثقافيان فيما تظهر المرأة، بوصفها جنساً بشرياً، ويظهر النص بوصفه جنساً لغوياً» «21» ص 182.
إن هذه الخصوصية لابد أن تصدر عن وعي محدد لـــــدى الكاتبة التي يجب أن تدرك أيضاً «أنها تنتمي إلى فئـــــــة اجتماعية عاشت ظروفها التاريخية، وقد جعل ذلك المــرأة تتمركز حول «أناها» والبحث عن الحرية» «22» وتطالب رشيدة بن مسعود بضرورة «البحث عن موقع المرأة داخل اللغة، ودور اللغة في تشكيل رؤية المرأة للعالم» «23» لكن أية لغة هي التي تتحدث عنها بن مسعود هنا هي اللـــــــــغة السائدة التي يسميها الغذامي بأنها لغة جرى أن تكسر قاعدة التذكير فيها، وأن تعمل على تأنيثها لكي تجعل وجود المؤنث داخل هذه اللغة وجوداً تاماً وأصيلاً؟ من هنا فإن النـــــــــاقد الدكتور عبدالله إبراهيم يعمل على توسيع حدود هذه العلاقة لتشمل بعدين أساسيين، هما البعد الداخلي المتمثل في علاقة المرأة مع ذاتها وعالمها الخاص، والبعد الخارجي أو العلاقة مع العالم مع التأكيد على الاتصال الوثيب بين هذين البعدين، إلا أن هذه العلاقة «بمقدار ما كانت في الأصل طبيعية، فإنـها بفعل الإكراهات التي مارستها الثقافة الذكورية، قد أصبــحت علاقات مشوهة ومتموجة وملتبسة، لأن المرأة بذاتها قــــــد اختزلت إلى مكون هامشي» «24».
وفي كتابه ـ الهوية والاختلاف: في المرأة والكتابة والهامش ـ يؤكد الدكتور محمد أفاية على الطابع الذكوري للغة والــذي يحول بين المرأة، وبين جعل هذه اللغة وسيلة لصياغــــــــة خطاب تحريري للمرأة، فهو يتقاطع مع الدكتور الغذامي في نظريته حول اللغة التي جرى إقصاء المرأة عنها زمنــــــــاً طويلاً، ولذلك لا يمكن أن نستعملها وسيلة لصياغة خطـاب تحرري «لأنها» تحدد مسبقاً موقع المرأة ووظائفها داخـــل المجتمع، أي أنه قبل وضع القوانين التي تسعف الرجل فـي تدجين وتسييج حضور وإيقاع المرأة ككائن، فإن اللغة تقدم له بشكل أولي ما يرنو إليه» «25» ص 36.
إن عدم وجود تحديد دقيق وكامل لمصطلح الكتابة النسوية وغياب الإطار النظري المصاحب قد ساهم في شيوع مفاهيم مختلفة، منها أن مفهوم الكتابة النسوية يطرح ليوضع فـي مقابل كتابة الرجال أي تقيم الأدب على أساس الـــــــــهوية الجنسانية لكاتبه وانطلاقاً من فهم يعمل على تصحيح هـــذا التصور الخاطئ تؤكد الناقدة نازك الأعرجي أن «الرجل هو المجتمع والمرأة ليست سوى فئة فيه، وهي لم تحقق إنجازاً كونها «فئة» إلا في العصر الـــــــــــــحديث» «26 ص10.
تعرف سارة جامبل في كتابها النسوية وما بعد النســــــوية مفهوم الأنوثة بأنه «مجموعة من القواعد التي تحكم سلوك المرأة ومظهرها، وغاية القصد منها جعل المرأة، تــــمتثل لتصورات الرجل عن الجاذبية الجنسية المثالية، والأنـــوثة بهذا التعريف نوع من التنكر الذي يخفي الطبيعة «الحقيقية» للمرأة، ولذلك فهي أمر مفروض على ذات المرأة على الرغم من أن الضغوط التي تدفع باتجاه الامتثال للنموذج الأنثــوي السائد ثقافياً أصبح مستقراً في نفوس النساء أنفسهن إلــى الحد الذي يجعل المرأة تنصاع له من تلقاء نفسها» «27» ص337.
وتلتقي جامبل في هذا المفهوم مع الناقدة نازك الأعـــــرجي التي تقدم نفس المعنى المفهوم، الأنوثة، وبسبب ذلك تعنون جامبل كتابها بـ «النسوية و ما النسوية» أي أنها تــــجد أن مصطلح النسوية هو الأصح في التعبير عن هذه الــــكتابات النسوية وتوصيفها.
وكان الاتجاه الأمريكي/الانكليزي يميز بين الجنس والنـوع على اعتبار أن الجنس هو مسألة بيولوجية، والنوع كــــ« الأنوثة» هو التصور اجتماعي، في حين أن التيار التـحليل النفسي يقول بأن الجنس والهوية القائمة على النــــــــوع مرتبطان، ومتداخلان تداخلاً كبيراً، وتحدد سارة جــــامبل مفهوم الكتابة الأنثوية بأنه مصطلح يقتصر استخدامه على نوع معين من الكتابة النقدية النسوية، التي نبعت من نسوية الناقدات الفرنسيات المعاصرات مثل إيجاري وسيســــــو وكرتستيفا» «28» ص 323، وقد رأينا أن هؤلاء الناقدات يمثلن التيار الوسط، الذي يعتبر أن مفاهيم الذكورة والأنوثة مواضع للذات تشكلت نتيجة عوامل اجتماعية فـــــــــــقط.
ويستخدم الدكتور ميجان الرويلي وسعد البازغي في معجم ـ دليل الناقد الأدبي ـ مصطلح النقد النسوي/النسائي ويحــدد أهم سماته في أربع سمات هي:« تحديد وتعريف موضــوع المادة الأدبية التي كتبتها المرأة وكيف اتصفت هذه المــادة بسمة الأنثوية: عالم المرأة الداخلي المحلي. .وينـــــــــصب الاهتمام هنا على الأمور الشخصية والعاطفية الــــــــداخلية، والاهتمام باكتشاف تاريخ أدبي للموروث الأنثوي.. ومحاولة إرساء صيغة التجربة الأنثوية المتميزة أو «الذاتيــــــــــــــة الأنثوية» في التفكير والشعور.. ومحاولة تحديد سمات «لغة الأنثى» ومعالمها والأسلوب الأنثوي المتميز في الكـــــــــلام المنطوق «الحكي» والمكتوب وبنية الجملة وأنواع العلاقات بين عناصر الخطاب وخصائص الصور المجازية والخيالية» «29» ص 224ـ225.
ويقع الكاتبان في نفس الإشكالية التي لاحظنا وجودها فيما مضى بين مفهومي «الأنثوية» و«النسوية» ولاشك أن هذه الإشكالية قد قام الكاتبان بنقلها عند محاولة تقديم تـــعريف شامل مستمد من المرجعيات النقدية النسوية في مصادرها الغربية، وهذه الإشكالية هي كغيرها من الإشكاليات الأخرى التي يعاني منها المصطلح في المناهج النقدية الحداثية، وما بعد الحداثية عندما جرى نقلها من مصادرها الغربية، إذ من غير الممكن نقل هذه المناهج دون نقل إشكالياتها معها، ثم تأتي إشكالية المصطلح عند الترجمة إلى الـــــــــــــــعربية.
ونظراً لشيوع استخدام مصطلح «النسوية» وكثرة تداوله في الكتابة حول أدب المرأة، فإننا آثرنا استخدامه عنــــــــد الحديث عن هذا الأدب، وعن تياراته ورموزه، وخصوصيته وطروحاته إذ لم يتم حتى الآن حل هذه الإشكالية، وتجاوزها باتجاه تحديد تام وكامل للمصطلح المعبر عن هـــــــذا الأدب والنقد الذي يواكبه، وتنشغل ممارسته النقدية وفاعليته فـي الكشف عن «علاماته» وخصوصيته سواء في بنيـــــــــــة الخطاب، أو في بلاغته أو أدواته التعبيرية والفنية.

=====================================
الهوامش:ـ
1ـ مساهمة المرأة في الإنتاج الأدبي ـ د. يمنى العيد ـ مجلة الطريق العدد 4 ـ نيسان 1975م.
2ـ القبيل تستجوب القتيلة ـ غادة السمان ـ حوار مع عفيف حنا ـ منشورات غادة السمان ـ بيروت 1981 ـ ص121.
3ـ الثقاة العالمية ـ العدد 7 ـ السنة الثانية ـ المجلــد الثاني ـ نوفمبر 1982ـ المجلس الأعلى للفنون والآداب ـ الكــويت.
4ـ فرجينيا وولف ـ الثقافة العالمية ـ العدد 7..المرجــــــع السابق.
5ـ فرجينيا وولف ـ الثقافة العالمية ـ العدد 7.. المرجــــع السابق.
6ـ النسوية وما بعد النسوية ـ سارة جامبل ـ ترجمة: أحمد الشامي ـ المجلس الأعلى للثـــــــــــقافة ـ القاهرة 2002م.
7ـ صوت الأنثى ـ نازك الأعرجي ـ دار الأهالي ـ دمشــــق 1997م.
8ـ صوت الأنثى ـ نازك الأعرجي.. المرجع الســــــــــابق.
9ـ صوت الأنثى ـ نازك الأعرجي ـ المرجع السابــــــــــق.
10ـ صوت الأنثى ـ نازك الأعرجي.. المرجع السابـــــــق.
11ـ النص المؤنث.. زهرة الجلاصي ـ دار سارس ـ تونس 2002م.
12ـ النص المؤنث ـ زهرة الجلاصي. .المرجع الســـــابق.
13ـ النص المؤنث ـ زهرة الجلاصي ..المرجع السابــــق.
14ـ المرأة والكتابة ـ رشيدة بن مسعود ـ أفريقيا/الشـرق 1994م.
15ـ مساهمة المرأة في الإنتاج الأدبي ـ د. يمنى العيد ـ مجلة الطريق.. المرجع السابق.
16ـ المرأة والكتابة ـ رشيدة بن مسعود.. المرجع السابق.
17ـ علامات ف الثقافة العربية ـ بول شاوول في حوار مع خناثة بنونة ـ المؤسسة العربية للدراسات والنشر ـ بيروت 1979م.
18ـ علامات في الثقافة العربية ـ بول شاوول في حوار مع خناثة بنونة.. المرجع السابق.
19ـ علامات في الثقافة العربية ـ بول شاوول في حوار مع خناثة بنونة. .المرجع السابق.
20ـ علامات في الثقافة العربية ـ بول شاوول ..المرجع السابق.
21ـ المرأة واللغة ـ د. عبد الله محمد الغذامي ـ المركز الثقافي العربي ـ بيروت 1996م.
22ـ المرأة والكتابة ـ رشيدة بن مسعود. .المرجع السابق.
23ـ المرأة والكتابة ـ رشيدة بن مسعود.. المرجع السابق.
24ـ الرواية النسائية والجسد الأنثوي ـ د. عبد الله إبراهيم ـ مجلة عمّان ـ العدد 38 آب 1998م.
25ـ الهوية والاختلاف: في المرأة والكتابة والهامش ـ محمد أفاية ـ دار أفريقيا/الشرق ـ بلا تاريخ.
26ـ صوت الأنثى ـ نازك الأعرجي.. المرجع السابق.
27ـ النسوية وما بعد النسوية ـ سارة جامبل ـ ترجمة أحمد الشامي.. المرجع السابق.
28ـ النسوية وما بعد النسوية ـ سارة جامبل..المرجع السابق.
29ـ دليل الناقد الأدبي ـ د. ميجان الرويلي د. سعد البازغي ـ المركز الثقافي العربي ـ بيروت 2000 ـ الطبعة الثانية.

اترك رد