موسم دراسي جديد وشد أعصاب شديد

موسم دراسي جديد وشد أعصاب شديد

ما إن ينتهي موسم دراسي و تكاد تنتهي معه توترات أعصاب شديدة طيلة السنة الدراسية لدى أباء و أمهات تلاميذ مختلف الصفوف الدراسية سواء في القطاع العام أو الخاص حتى يحل موسم جديد بحيث لا تكفي فترة العطلة الصيفية لإراحة أعصاب الآباء و الأمهات و التي لا ترتاح بما يجعلها تتحمل توترات السنة الدراسية الجديدة الشيء الذي يجعلنا نراكم طيلة الفترة الدراسية كما هائلا من التوترات العصبية لا تنفع من اجل التخلص منها و من مضاعفاتها كميات من الدواء و حصص من العلاج .
و تلازم حلول الموسم الدراسي مع اشتداد التوترات العصبية ليس مرجعه الى كلفة التدريس و ارتفاع مستلزمات الدراسة فهذا شيء تعود عليه الآباء و الأمهات و إنما يعود ارتباط توتر أعصاب هؤلاء بالموسم الدراسي الى كون هذا الأخير أصبح ظرفا مؤرقا عصبيا و مثيرا للامتعاض نفسيا بسبب ما يتسم به من اشكالات و اختلالات و أفعال مشينة تبدأ بفترة الإعداد للدخول المدرسي و لا تنتهي بانتهاءه و بقدر ما تكون شينا و عيبا يسمان الجسم الدراسي ككل بقدر ما تكون غمة في صدر الآباء و الأمهات يرجون سرعة زوالها .
و أول هذه الاشكالات يبدأ بتوزيع التلاميذ على الأقسام الدراسية حيث يولي الآباء و الأمهات أهمية بالغة لهذه العملية حيث يحرصون على ان يكون أبناءهم في قسم دراسي لائق يجمع تلاميذ مهذبين و مجدين و منضبطين و لهم استعداد للتنافسية الدراسية ، غير أن الواقع اثبت ان هذه العملية لا تتم بشكل ديمقراطي و موضوعي و نزيه و إنما تخضع للمحسوبية و الزبونية و الوجاهة و مراعاة الارتباطات و العلاقات الخاصة نتيجتها ان أقساما مميزة تحدث و يتم تجميع فيها تلاميذ معينين و يخصص لهم اطر تربوية كفءة و مشهود لها بالجدية و الحيوية بينما أقسام أخرى يتم فيها تجميع حثالة التلاميذ من ضعفاء دراسيا و مشاغبين و غير منضبطين و يخصص لهم ما يليق بهم من اطر تربوية و بالتالي فالعملية مشوبة بعدم النزاهة و الموضوعية في توزيع التلاميذ على الأقسام الشيء الذي كان و ما زال يولد غضبا و سخطا لدى الآباء و الأمهات ، و هذه السنة سمعنا ان برنامج مسار هو الذي سيتحكم في التوزيع فتم الترحيب بالفكرة لو صدقت و ترك الأمر لنزاهة و موضوعية الجهاز المعلوماتي فهو اصدق و أوثق حينما عجز الجهاز البشري ان يكون كذلك ما دام الفساد و الانحراف من شيم النفوس إلا من رحم الله غير واقع الحال اثبت ان قطاع التعليم قد اصيب بايبولا و من غير المستطاع محاربته .

و ثاني الاختلالات تأتي من عملية كراء الكتب و المقررات الدراسية فهي أيضا محكومة بالمحسوبية و الزبونية بحيث يستحوذ أبناء المحظوظين بنوع من الامتياز على الكتب الجديدة و النقية بينما تترك المتلاشية لغيرهم ما يجعل الكثير من الآباء يضطرون الى تحمل نفقات شراءها فتضاف تكاليفها الى باقي تكاليف الدخول المدرسي ، و رغم ان جمعيات اباء التلاميذ تساهم في تمويل شراء هذه الكتب الا ان هذه الجمعيات هي بدورها جزء من الاشكالات التي يعاني منها الجسم الدراسي فهي بدل ان تكون وسيلة لمحاربة الفساد و المفسدين أصبحت جزءا لا يتجزأ من منظومة الفساد التي تلازم قطاع التعليم و لا تشتهر الا باقامة الولائم و الحفلات .
اما ثالث الاختلالات فيعود الى ما يسمى الخصاص في الأطر التربوية ، فما من مؤسسة الا و تجدها في حاجة الى عدد معين من هذه الأطر ، و المصيبة الكبيرة هي حينما تجد الخصاص على مستوى الثانوي التأهيلي ، فإلى حدود العشرين من اكتوبر الحالي مازالت بعض الثانويات التأهيلية تشكو خصاصا يصل الى ثلاثة اطر في بعضها و في مواد مهمة كالرياضيات و الفيزياء و العلوم و الفرنسية ، الشيء الذي يجعل الآباء و الأمهات يترددون على المؤسسات التعليمية المعنية بالإشكال لكنهم يحالون دائما على نيابة التعليم التي تقف عاجزة عن إيجاد حل رغم وجود حالات من الأطر الفائضة بمؤسسات أخرى ، فتتذرع النيابة بكونها اذا ما أقدمت على جلب إطار تربوي فائض الى مؤسسة تعاني من خصاص فإنها تصطدم باحتجاجات النقابات التي تصر على إعطاء الأولوية لذوي الأقدمية و لربما لذوي الانتماء النقابي ، و هكذا تصبح النقابة مثلها مثل جمعيات اباء التلاميذ عاملا من عوامل الاشكالات التي يعاني منها قطاع التعليم فهي لا تعرف الدفاع الا عن ما يسمى حقوق رجال التعليم اغلبهم لا يقوم بواجبه بل البعض منهم مساهم في افساد القطاع .
وأما رابع الاختلالات و مثلث برمودا في قطاع التعليم فهو نابع من جسم الأطر التربوية مع التقدير و الاحترام الكبيرين لثلة خيرة منها ، و هي مصدر الداء العصابي الذي يصيب الآباء و الأمهات طيلة المرحلة الدراسية و هي محل شكوى هؤلاء الآباء و الامهات الذين لا يملكون سوى الدعاء على الفئة الفاسدة منها ، فرغم ان هذه الفئة تتلقى أجرا يعود في أصله إلى أموال الشعب و تحصل من ضرائبه إلا أنها لا تقدر المسؤولية و لا تستشعر الأمانة و لا تراعي انه يجب عليها ان تفي بالعهد فتؤدي واجبها كما يجب ، فهي اما متهاونة او مقصرة في أداء عملها و اما لا تقوم به أصلا و الضحية هم التلاميذ اولا و ثانيا الآباء و ثالثا الوطن ككل لأنه يصرف أموالا على غشاشين لا يعلمون أن المواطنة تعني بالدرجة الأولى أداء الواجب و التفاني في خدمة المواطن لكن من لا ضمير له لا يخاطب لا تذكيرا و لا تنكيرا بالمواعظ ، و من هذه الفئة تأتي الطامة الكبرى التي أصابت الجسم الدراسي و هي بيع نقط المراقبة المستمرة و دفع التلاميذ إلى الدروس الخصوصية او ما يسمونه دروس الدعم و التقوية إما في المنازل او المراكز في أحسن الأحوال والتي يعطيها اساتذه القطاع العام فهم يتلقون أجرهم من المواطن مرتين : مرة بواسطة الأجر الشهري و مرة من خلال ثمن ساعات الدعم التي أضحت وسيلة للتنافس المحموم بين المتلهفين على جمع الأموال ، وحبذا لو كانت هذه الدروس تعود بفائدة على التلاميذ الذين يكونون مكرهين للضغط على آبائهم من اجلها بهدف الحصول على نقط مرتفعة أسوة بباقي زملائهم و هم يعلمون ان نتيجتها ليست تحسين مستوى التلميذ و الرفع من قدراته فهذا شيء بعيد المنال فلم تعد منظومتنا التعليمية تنتج تلاميذ ذوي مستويات جيدة و إنما هذه الدروس ما هي الا وسيلة لجمع الأموال و الإثراء غير المشروع من قبل فئة لا يليق ان يقال لها قم للمعلم و فيه التبجيلا ،فهي قد شوهت الجسم التعليمي و قللت من احترامه في أعين الآباء و الأمهات و حولته الى سوق المرابين و بسببها و سبب غيرها من المفسدين أصبح قطاع التعليم من أكثر القطاعات فسادا في المغرب و معدن إنتاج النخب الفاسدة و المتلهفة فهو مصنع لبضائع فاسدة .

كل هذه الاشكالات و الاختلالات التي شوهت قطاع التعليم تحدث و تتنامى و تكبر في الجسم التعليمي و لا مسئول حركته الغيرة على القطاع و حاول وضع حد لهذه الجرثومة حتى أصبحنا نتحسر على ذهاب السيد محمد الوفا الذي كان يملك جرأة على ملامسة مكامن الداء في قطاع التعليم و اتخذ قرارات كان من الممكن ان تصلح شيئا ما لكن لم يرد له محبو الفساد و المنتفعون منه ان يستمر فذهب و ذهب معه حلم إصلاح قطاع التعليم الذي اذا استمر على حاله فلا مستقبل لمغرب شفاف و ديموقراطي و و لا مستقبل لشعب نخبته تتخرج من نظام تعليمي فاسد .

اترك رد