ما تَبَقّى من أمَلٍ!

الحسين النبيلي17 ديسمبر 2017
ما تَبَقّى من أمَلٍ!


سألني صاحبي، ساخرا، وأنتم المثقفون، ماذا كان جوابكم عن هبة ترامب لإسرائيل. فأنا لم أقرأ لكم شيئا تنددون فيه بما فعله هذا الأخرق بأرض لا هي من أملاكه وعقاراته وما يملكه من تراب وسحاب، ولا هي قريبة من بلاده أو مجاورة لها، فحتى سماء القدس ليست هي سماء أمريكا؛ فمتى تتكلمون وتكتبون، هل كتبكم وما تبرطمون به من كلام في ندواتكم ومحاضراتكم، وفي دروسكم الجامعية، وفي ما تتندرون به في المقاهي من غيبة ونميمة، هي ما تسمونه ثقافة، وهل المثقف انهزم إلى هذا الحد الذي جعله بلا لسان، وبلا أسنان؟

باغتني ولم يترك لي الفرصة لأواجهه بما يكفي من حجة ودليل: أن المثقف هو العقل الذي يحرس القيم ويبتدع الرموز والدلالات، وهو من يشرح مشكلات المجتمع، يراقبها، يقرؤها ويفكك شفراتها، وهومن يفتح أمام الناس طرق المعرفة ويعيد تجديد أفكارهم وما يمكن، أن يكون في يدهم من أدوات للقراءة والتحليل وللنظر في الأشياء، بما هو ليس كلام مقاهٍ، أو “كلام ليل يمحوه النهار” كما في المثل العربي. ورغم ذلك استجمعت قواي، وانتفضت في وجهه لأقول له، بثقة مفرطة: المثقف، في بلادي، غير مرغوب فيه ولا في خطابه، ولا أحد يسمح له بالكلام في عموم الناس وفي وسائل الإعلام التي تدخل البيوت ويراها كل الناس، لذلك فهو يعيش معزولا في مجتمعه، لا الدولة ترغب في أفكاره ولا الشارع يعرف بوجوده، فالدولة لها من يطبل ويُزمِّر لها، ولها مداحوها الذين تُغدق عليهم بسخاء وتفتح لهم الإعلام، وقتما شاءت أو وقتما دعت الحاجة إلى أن تغسل وجهها من دنس ما يُلطخه من سخام، وهذا هو “الخبير في شؤون..” لا أدري ماذا، لأنه يتكلم في كل شيء ولا يقول أي شيء، وهذه هي وظيفة الزّمّار، ينفخ ريحه في مزماره، دون أن يكون ما يصدر عنه من هواء، لا هو موسيقى ولا هو غناء. ولا تنس أن الناس، اليوم، باتوا مشغولين بالصورة وبوسائل التواصل الاجتماعية، ولم يعودوا يقرؤون كما كان عليه الحال سالفا، فالكتاب صار آخر ما يُفَكِّرون فيه.

بهدوء أجابني صاحبي، ودون أن يبدو عليه أي ارتباك: انتظرتُ منك هذا، وكنت أعرف أنك ستترك الحمار وتتشطر على البَرْدعة، كما يقول المثل المغربي. فأنا، يا صاحبي، لا أتحدث عن الكَتَبة، ولا عن الذين باعوا أقلامهم وكلامهم، وباعوا أفكارهم وذِممهم، ولا عن الذين أصبحت الثقافة عندهم سفريات وتجارة تدر عليهم ما به يتنافسون في اقتناء الراضي وبناء الفيلات، بل أتحدث عن المثقفين القلائل ممن لم تُدنَّس أياديهم ولم يُبدّلوا أو يُغيّروا جلودهم، هؤلاء هم مَنْ عيْني عليهم، أما الذين باعوا، فهؤلاء تقاضوْا ثمن بضاعتهم، لذلك فأنا لا أنتظر منهم نصرة فلسطين ولا قول كلمة في ما يجري حولنا من غموض والتباس في كل شيء؛ فدَعْكَ من المثقف، وانظر معي إلى هذا الفراغ المهول الذي يعرفه الشارع، وتعرفه المدرسة والإعلام، كما تعرفه الأحزاب؛ فما بَقِيَ في يدنا غير نَزْرٍ يسير من الأمل، هو ما به نحيى ونعيش. أليس هذا اليُتم قسوة علينا جميعا، في ظروف صعبة وقاسية، لا أحد يعرف ما ستُفضي إليه من طرق!