مجلة “أسيف” منذ سنة 2001 في عددها الأول كانت السبّاقة لنشر دراسة مغارة إيغود بأسفي

الحسين النبيلي14 يونيو 2017
مجلة “أسيف” منذ سنة 2001 في عددها الأول كانت السبّاقة لنشر دراسة مغارة إيغود بأسفي


كثُر الحديث في الآونة الأخيرة عن اكتشاف تناولته الكثير من المواقع والجرائد الإلكترونية والورقية، بل القنوات التلفزية الإخبارية وطنيا ودوليا، وكشفت المعطيات أنه تمت “عملية اكتشاف بقايا أقدم إنسان ينتمي لفصيلة الإنسان العاقل البدائي جاءت في إطار الجيل الثاني من الأبحاث العلمية التي يعرفها جبل إيغود بإقليم اليوسفية، والتي انطلقت منذ سنة 2004، مشيرا إلى أنها بقايا خمسة أشخاص، 3 منهم في سن متقدمة، والرابع في سن الرشد ثم الأخير في سن الطفولة…”

والشيء الذي تغافلته تلك القنوات الإعلامية برمتها أن الموضوع ذاته تناولته مجلة أسيف في عددها الأول الصادر سنة 2001، بنشرها لدراسة جيولوجية قيّمة على موقع إيغود من توقيع الأستاذة ثورية محسن والتي كانت تشغل آنذاك مفتشة الآثار والمباني التاريخية، بمندوبية وزارة الثقافة لتسافر إلى الخارج من أجل استكمال الدراسة والحصول على الدكتوراه.

وحفاظا على القيمة التاريخية لهذا المقال ندرجه كما ورد بالمجلة المذكورة التي كانت تصدر بإمكانيات مادية ذاتية لتنقطع عن صدور بعدإصدارها العدد السابع بسبب الإكراهات المادية.  

مغارة إيغود بأسفي (الإنسان والحضارة) / ذة.ثورية محسن

مدخل:

في شمال إفريقيا توجد مجموعة من بقايا عظام الإنسان التي ترجع إلى الزمن الجيولوجي الرابع، وخاصة إلى عصور البليوستوسين الوسيط والأعلى أي منذ حوالي مليون سنة، أقدم هذه البقايا قد عُثر عليه في الجزائر في موقع يدعى تغنيف وهي مؤرخة بحوالي 700 ألف سنة ق.م، أغلب البقايا عثر عليها بالمغرب ونذكر على سبيل المثال:  كريير طوماس ، إنسان سيدي عبد الرحمان، إنسان سلا.

كل هذه البقايا نسبت إلى ما يسمى هومو- إيريكتوس أو الإنسان المنتصب وقد عاش في المغرب بين فترة تتراوح بين 200 ألف سنة و400 ألف سنة ق.م لكن أقدم البقايا الإنسانية وجُدت في موقع يدعى عين معروف قرب الحاجب وأُرّخت بحوالي 700 ألف سنة أي بداية العمر البليوستوسين الوسيط.

بالنسبة للبليوستوسين  الأعلى فقد أعطى مجموعة من البقايا نذكر من بينها إنسان مغارة يغود إنسان دار السلطان، إنسان الهرهورة..

الموضوع الذي سنتناوله بالحديث هو إنسان موقع إيغود والأهمية التي يكتسيها ليس فقط على صعيد شمال إفريقيا؛ فمنذ اكتشاف هذا الموقع سنة 1960 وهو يجلب اهتمام الباحثين في مجال علم الآثار وعلم الباليونتولوجيا وأهميته تأتي من كونه يعتبر الموقع الوحيد في  الشمال الغربي من إفريقيا الذي تم العثور فيه على بقايا الإنسان مع بقايا عظام الحيوانات وكذلك الأدوات الحجرية.

° الموقع والإطار الجيولوجي:

إن الموقع المسمى يغود نيونرال يقع في الجهة الشمالية من جبل إيغود الذي يوجد في الطرف الغربي من جبيلات بين مدينتي أسفي ومراكش حوالي 70 كلم شرق أسفي.

هذا الجبل مكون من صخور الكلس من العمر الجرجياني وتعلوها صخور الشست من العمر الأكدياني، هذا الموقع هو معهروف بمعدن “البارتين” وتحلُّل الكاربونات هو الذي ساعد على ظهور بعض الفتحات والمغارات، التي استوطن بعضها إنسان ما.

° نظرة عامة عن تاريخ الحفريات بهذا الموقع:

–        تم اكتشاف مغارة جبل يغود سنة 1960 خلال عمليات التنقيب واستغلال منجم”البارتين” من طرف الجمعية المغربية للمعادن والمواد الكيماوية.

Societé Marocaine de Mines et ProduitsChimiques

–        بداية الجفريات بالموقع قام بها الباحث الذي بدأ العمل بهذا الموقع منذ تلك الفترة وتُوجت جهوده باكتشاف جمجمتين لإنسان بالغ، وكذلك فك سفلي لطفل وذلك مابين سنتي 6.2 و6.9 مع بقايا أدوات حجرية وبقايا عظام حيوانات.

–        خلال سنة 1969 تم اكتشاف عظم لطفل (ذراعه) من طرف نفس الباحث وبعد ذلك توالت الدراسات من طرف عدد من الباحثين نذكر من بينهم: اكتشاف عظم لطفل (ذراعه) من طرف نفس الباحث وبعد ذلك توالت الدراسات من طرف عدد من الباحثين نذكر من بينهم: Gerards et Debenath et Jaeger

° إنسان موقع جبل يغود

لقد تم العثور بموقع جبل يغود على عدد من البقايا العظمية وهي كالتالي:

1-     جمجمتان لإنسان بالغ تم اكتشافهما سنة 1962.

2-    فك سفلي لطفل تم العثور عليه سنة 1968.

3-     عظم ذراع Diaphys d’humer’ أيمن لطفل.

4-     عظم حوض.

5-     قطعة فك سفلي أيسر لإنسان بالغ.

–        إيميل إينولشيEnoulchi  Emile خلال دراسته للبقايا العظمية وخاصة الجمجمتين اعتبر إنسان يغود المنتمي إلى مجموعة Neanderthaliens  التي تذكرنا Neanderthal  المعروف في أوربا خلال الفترة المتواجدة بين 20 أو 40 ألف سنة قبل الميلاد.

–        العالم (إنوسي) يبين أن جمجمة إنسان يغود تتميز بجدرانها السميكة قوسا الحاجبين يشكلان حاشية بارزة، موقع الأنف واسع، مؤخرة الرأس مضغوطة، الجبهة غائرة وعظام الفك الأعلى متينة.

إذا كان إنسان يغود قد تم اعتباره من طرف بعض الباحثين كإنولشي على أنه أول شهادة إثبات على وجود النيوندرتال في شمال إفريقيا حيث كانت سائدة المعادلة التي تقول: نيوندرتال= حضارة موستيرية.

فقد تأكد من خلال مراجعة هذه الدراسات وإنجازه دراسة معمقة لفصيلة الإنسان النيوندرتال على أن انتماء إنسان يغود لها لا يمكن الأخذ به. فجميع الباحثين يؤكدون على عدم وجود ما يسمى بالخصائص  “derives” أي التي تميز فصيلة الإنسان النيوندرتال، ويستخلص من دراستهم أن إنسان يغود يمكن تصنيفه ضمن مجموعة افنسان العاقل البدائي أي: Homo Primitif فحسب الباحث  Hublin ؛ فجمجمتا يغود لهما الخصائص التالية: وجهٌ واسع محجرتان شيئا ما، مربعتان، جبهة ليست بالغائرة تماما، قوسا الحاجبين بارزين.

–        إذن من خلال هذه الدراسات نستنتج أن إنسان يغود لا ينتمي لمجموعة النيوندرتال، ولكن فقط يتميز بوجود خصائص بدائية Caractères Priùitifs  تسمى ب Plesio-Sapiens.

–        بالإضافة إلى هذه الخصائص البدائية فجمجمة يغود وكذلك باقي العظام التي عُثر عليها تظهر بها ما يسمى ب Desapomorphies أو خصائص الإنسان الحديث من حيث الشكر من أول إنسان حديث ظهر في الشرق الأوسط.

°الحضارة والأدوات

لقد تم العثور بموقع جبل يغود بالإضافة لبقايا الإنسان على عدد من الأدوات والآلات الحجرية التي تميزها يسمى بالحضارة الموستيرية التي عرفت بين حوالي 120 و 40 ألف سنة ق.م ، وهي حضارة من حضارات العصر الحجري القديم الأوسط، تتنيز أدواتها بوجود مكاشط Rachoirs ، رؤوس مسننة Pointes وسكاكين Couteaux، وكل هذه الأدوات التي تم العثور عليها بجبل يغود تشبه من حيث نوعيتها وطريقة صنعها النموذج الموستيري الأوربي، وقد استعملها الإنسان لقضاء حاجياته الغذائية اليومية، من صيد وطهي وغير ذلك من نشاطات.

°البقايا الحيوانية

لقد قام مجموعة من الباحثين بدراسات لهذه البقايا منذ سنة 1962 نذكر منها خاصة Thomas Ennouchi ومؤخرا Gerard et Amoni   وقد بينت هذه الدراسات تعدد وتنوع الفصائل الحيوانية الموجودة بهذا الموقع فهي لها خصائص العصر الحجري القديم الوسيط، أو الموستيري مع بعض الأنواع التي لا زالت مستمرة إلى الآن، إذ عُثر بالموقع على وحيد القرن، الخيليات القديمة، والغزلان والظباء والثعالب والحمير والبقريات القديمة، وعدة فصائل من اللحميات وقد دلت هذه الحيوانات على وجود مناخ قاري وبيئة نباتية عبارة عن صفانا.

° موقع يغود “التاريخ”

بالنسبة للتاريخ البقايا الموسترية بيغود فقد تم وضعها في البداية بين 60 و70 ألف سنة، لكن الباحث Hublin  قد اعتبر إنسان يغود هو أقدم من هذا التاريخ، فحسبَ هذا الباحث لا يوجد برهان لكن يمكن أن يكون إنسان جبل يغود هو أصل الإنسان العاصري الذي يميز الحضارة العاصرية، التي ظهرت منذ 30 ألف سنة ق.م بالمغرب، فهو يرى أن هناك نوع من العلاقة الوراثية أو الاستدرارية بين هيكل الإنسان الحديث، وأول إنسان عاقل بدائي  Homo-sopiens Primitif  ظهر بجبل يغود.

أخر تاريخ تم القيام من طرف R .GRIN  على إحدى أسنان الحيوانات التي وجدت مع بعض عظام إنسان يغود، قد أعطت تاريخا أقدم من الذي كان الباحثون يعتبرونه من قبل (60 أو 70 ألف سنة ق.م) فهو يتراوح إذن بين 90 أو 90 ألف سنة الشيء الذي يجعل إنسان يغود معاصر أو ظهر قبل Un prdeceseur  للإنسان العاقل الذي ظهر بالشرق الأوسط من حوالي  90ألف سنة.

خاتمة

ما يجب التركيز عليه في هذا الموضوع هو أن موقع جبل يغود يكتسي أهمية كبيرة على صعيد شمال إفريقيا، حيث إنه قد اعطى بقايا أول غنسان حديث في هذه المنطقة، اعتُبر في البداية نيوندرتاليا ، لكن الدراسات أثبتت انتماءه إلى فصيلة  Homo- Sopiens Archaique الغنسان العاقل البدائي؛ هذا الإنسانن يميز الحضارة الموستيرية أو حضارة العصر الحجري القديم الوسيط (Paleolithique Mohen) وتاريخه يمكن أن يكون خلال الفترة المتراوحة بين 90 و 90 ألف سنة ق.م.

لا يوجد أي دليل يمكن أن يمنع إنسان جبل يغود من أن يكون هو أصل الإنسان العاصر ذوي  الهيكل والشكل الحديثين، هذا الإنسان الذي يميز الحضارة العصرية التي ظهرت بعد الحضارة الموسترية.

ذ.ثورية محسن خريجة المعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث، شعبة ما قبل التاريخ.