معرض باريس للكتاب: شيطان التفاصيل في الجناح المغربي(باريس)

آخر تحديث : الإثنين 27 مارس 2017 - 4:40 مساءً
معرض باريس للكتاب: شيطان التفاصيل في الجناح المغربي(باريس)
محمد الخضيري ( باريس )

مشاركة المغرب في معرض الكتاب في باريس، ضيفَ شرف، ناجحة بامتياز وأظهرت إقبال الضيوف عليه. لكن الشيطان ظل حاضراً في تفاصيل المشاركة منذ الإعلان عنها.

جولة صغيرة في جناح المغرب بمعرض باريس الدولي للنشر قد تلخص واقع المشاركة “التاريخية” فالمرة هي الأولى التي تكون فيها بلاد عربية ضيفة المعرض. يجذب المغرب القراء، من ضيوف الحدث الثقافي، والصف الطّويل لمن يشترون كتباً معروضة في الجناح (450 متراً)، لا ينقطع. أما الحاضرون إلى الندوات على هامش المشاركة المغربية فبالمئات وهم من جنسيات مختلفة، يحركهم الفضول إلى هذا المغرب الذي يعيش تغيرات ثقافية واجتماعية كبيرة طيلة العقدين الأخيرين. المواضيع الأدبية والفكرية التي تعالجها الإصدارات في السنوات الأخيرة كانت في صلب الندوات: وضع النساء، التعدد اللغوي وموقع الأمازيغية في الثقافة المغربية، الحريات الفردية، الثقافة الشعبية وضرورة الحفاظ عليها، الكتابة الجديدة، الدار البيضاء، المدينة المعاصرة وجوهرة التناقضات المغربية ومصنع الحراك الثقافي الكبير كلها مواضيع كانت حاضرة هنا. كبار الأدب المغربي الراحلون عن عالمنا كمحمد خير الدين وإدمون عمران المالح وآخرون أفردت لهم ندوات خاصة. ويحدث معك أكثر من مرة وأنت تتجول في أجنحة أخرى أن تسمع حوارات مفادها، “علينا أن نمر من الرواق المغربي”.

 نجح الرهان إذن: القراء الفرنسيون وغيرهم، متعطشون إلى الثقافة المغربية “هذا العالم المجهول”، وحضروا بأعداد كبيرة، وعشرات المثقفين المغاربة يقدمون كتبهم ويوقعونها، باللغات الثلاث: العربية، الأمازيغية، والفرنسية. المشاركة ناجحة جدا في السياق. لكن لا شيء مطلق.

هل الصورة وردية إذن؟ ليس تماماً. قاتمة؟ على الإطلاق لا.

فعلى طريق يمبوسِ المعرض، تقف شياطين التفاصيل جميعها، لتخرج لسانها وتهزأ من الجميع. وتظهر أن المغرب هنا وهناك، ضائع بين رغبة الكتابة في جميع أشكالها، وفي زوابع “الهامش” واللغط الذي أثير قبل المعرض وخلاله.

لائحة الـ 34 “الطويلة”…

تعيين يونس أجراي مسؤولا عن المشاركة المغربية كقيم للمعرض “أبرز المشاكل”. ربما كان هذا الطرحُ الذي تصدّر عدة وسائل إعلام، وهمس به العديد من المشاركين في المعرض من الكتاب والناشرين المغاربة، صُلبَ النقاش الدائر، في أوساطهم.

1.

رواية أولى: لا أحد يحسم في من كان وراء تعيين الرجل، الذي كان عمل في “المجلس الوطني لحقوق الإنسان” وفي “المجلس الوطني للمهاجرين المغاربة”. يقول البعض إن رضا دوائر في السلطة السياسية عليه جعله “المختار” لمهمة إبراز هذا “التنوع الثقافي والإبداعي الكبير في المغرب” حسب لغة التواصل للإعلان عن المغرب ضيف شرف في باريس. هل الرجل عالم بالكتاب المغربي وشعابه (ما دمنا في معرض كتاب)؟ بالتأكيد لا.

 كُلّف يونس أجراي في البداية باختيار لائحة من أربعة وثلاثين مثقفاً تقدم هذا التنوع كما نصت بنود الاتفاق بين الطرفين المغربي والفرنسي. لكن لائحة أولى قدّمها القيّم أبدت الكثير من التناقضات، يؤكد مصدر من التنظيم.

 بسبب اختيارات معينة تقصي الكثير من الأسماء المهمة في الثقافة المغربية، تدخلت وزارة الثقافة المغربية لتنقذ ماء وجه المشاركة، وطلبت تعديلها لتمثل ما أمكن المشهد المغربي، وأن تحضر فيها أسماء بارزة باللغتين الفرنسية والعربية. وافق الرجل، وغيّر من لائحته، لكنه دافع عن قراراته في الصحافة، واتهم المغاربة بأنهم، بخلاف دول كثيرة كان مديراً لمعارضها، وحدهم من يرغبون في أن يفرضوا على قيّم معرضٍ وصايتهم واختياراتهم. نقطة تسجل لصالحه؟

صدرت اللائحة بشكل رسمي إذن، ولا غبار على الأسماء المشاركة، فهي مهمة ومثلت المغرب بوجه مشرّف على أكثر من صعيد. بعضها مكرّس في الأدب عبر نتاج عقود وبعضها دخل إلى باب المشهد الثقافي من خلال شهرة الجوائز الأدبية في السنتين الأخيرتين وقيمة الاجتهادات الفكرية التي يقدمها البعض منهم. من ضمن الأسماء الحاصلون الأربعة على جائزة غونكور (الطاهر بنجلون وليلى سليماني عن الرواية، عبد اللطيف اللعبي عن الشعر، وفؤاد العروي عن القصة). عبد الفتاح كيليطو، محمد برادة، محمد بنيس، محمد حمودان، عبد الله الطايع، محمد الأشعري، سهام بوهلال، رشيد بن الزين،أحمد عصيد، طارق بكاري، يوسف فاضل كلها أسماء حضرت في اللائحة إلى جانب آخرين. “بعض الأسماء الأخرى الأقل موهبة تسللت بشكل غريب إلى القائمة لتمثيل المغرب” في معرض باريس. كاتب هذه السطور ليس من ينطق هذه الكلمات، لأنه ينطلق من فكرة أن لكل كاتب حق الحضور وفق معايير معينة يحددها منظمو حدث ثقافي. أما الإعجاب أو الاستياء من كتابٍ وأسلوبه فمتروك للذائقة الشخصية. لكنْ من المشاركين من أسرّوا بها له في أحاديث جانبية، ممتعضين من حضور أسماء معينة لـ”رداءة ما تكتب”. يلتقي كاتب هذه السطور في عدم إعجابه بكتابات وأسماء معينة. لكن سلطة قرار المنظم هي الأساس، أليست المواقع والمرجعيات تختلف…؟

بعد الإعلان عن اللائحة “القصيرة” ثارت زوبعة، وتساءَل كثيرون عن سبب إدراج أسماء وتناسي أخرى. منهم من احتجوا على هذه “الجريمة” في حقهم، كالمحللة النفسية والكاتبة غيثة الخياط، وناشرين مثل بشر بناني، مالك دار “طارق” اللذين خرجا إلى الصحافة وانتقدا آليات الاختيار.

 قررت وزارة الثقافة المغربية أن تتدخل مجدداً وتوسع من لائحة 34. ولم يكن من حل عدا إضافة “لائحة” ثانية تُظهر هذا التنوع الذي اتهمت الأولى بإغفاله. وصل عدد المشاركين إلى تسعين اسما تكفلت الوزارة بدعوتهم على نفقتها، وأدرجوا في البرمجة. صورة مكبّرة وأوضح وأكثر صدقاً عن الثقافة المغربية ظهرت على جناح البلاد الطائر إلى معرض باريس. هذا لا شك فيه.

بينما قرر بعض المنتقدين للمعرض، خصوصاً من الناشرين الحضور على نفقتهم الخاصة إلى الجناح المغربي في باريس، وحاولوا توسيع شبكة العلاقات، وإظهار كتبهم التي تغطي عليها مؤلفات دور أخرى، يتهمون مالكيها بأنهم مقربون من قيّم المعرض.

رواية ثانية:

(لا تدحض الأولى كلياً). لكن…

 هل يمكننا إلقاء كل اللوم على عاتق رجل واحد؟  سيكون هذا مجرد كلام فارغ، وشبيها بالمثل المغربي الحكيم عن تحميل المسؤولية لمن لا طاقة له بها: “سقطت الصومعة فعلّقوا الحَجَّام”. وشبيهاً أيضا بـ”بذاءة الشر” على رأي حنا أرندت. لن نجعل من الرجل شماعة لهذه الأخطاء في التواصل والاختيار، فكل شيء يتجاوزه، ولو أنه (ربما) لا يدرك بنفسه هذا.

الظرفية وطبيعة الدعوة وعلاقات الشد والجذب بين كل الفاعلين في هذه اللحظة التي ليست ثقافية فقط، والمشهد العام للثقافة والكتابة في المغرب كلها فعلت فعلتها. يُضاف إلى هذا صعوبة المفاوضات الحكومية التي أجلت تشكيلها لأشهر، ولم تحسم في وزير الثقافة الجديد، فظلت الوزارة وزارة تصريف أعمال أساسا. وهناك أيضا الطابع السياسي للمشاركة المغربية: الدعوة موجهة من فرنسا فرانسوا هولاند، في سنته الأخيرة من الحكم إلى مغرب الملك محمد السادس، وكأنها تهدئة للخواطر بعد مد وجزر في علاقة البلدين خلال السنوات الأخيرة. الدعوة أيضا من فرنسا، إلى المغرب، بكل ما تحمله العلاقة بين البلدين من إرث استعماري لم يحسم فيه المغاربة بعد على ما يبدو. وهذه التفاصيل جميعها، ساهمت في اللبس في التواصل وداخل الجناح.

العربية الحاضرة الغائبة

تبدو اللغة العربية يتيمة معرض باريس. صحيح أن اللائحة الرئيسية والتي لحقتها تتضمنان العديد من الأسماء التي تكتب بالعربية. لكن لسان موليير، خيم بظله على المشاركة. أسماء عدة تكتب بالفرنسية، بعضها لا يصل إلى ربع قيمة، ومنجز كُتَّاب العربية، كانت تحضر الندوات ضيفة على المعرض، حينما أغفلت العشرات من الأسماء التي تكتب بالعربية أدبا وفكرا. 

جاء قلة من هؤلاء على نفقتهم الخاصة. لكن من لا يملكون الفرصة للوصول إلى الضفة الأخرى (وهم الأغلبية)، ولا يد لهم في القنصليات ولا المراكز الثقافية الفرنسية، وجدوا أنفسهم يشربون الشاي والقهوة في مدنهم وقراهم ويلوكون امتعاضهم.

 إنها علاقة المركز والهامش بعنفها تتكرر مجددا. صحيح أنه يستحيل على الجهات الرسمية المغربية أن تحمل كتّاب المغرب جميعهم إلى “صالون الكتاب” في باريس. وأنها ستحتاج شركة طيران وكل فنادق باريس لدعوة كل من نشروا كتباً في السنوات الأخيرة.  لكن ضعف تمثيلية المشهد بالعربية والأمازيغية (اللغتين الرسميتين للمغرب حسب الدستور)، يبدو مؤسفا.  فالمعرض كان فرصة لإظهار هذا الثراء الذي لا يقصي الآخر، بل يستوعبه ويهضمه وينتج لغته الخاصة في سياق محلي خاص.  وكان من الممكن التنويع بين من يجدون لهم موضع قدم في مشهد النشر في فرنسا وبين من لا يملكون رأسمال اللغة والعلاقات من أجل الوصول إلى قارئ أجنبي.

كتبت الصحافة الفرنسية العشرات من المقالات عن المشاركة المغربية، لكنها تواصلت بشكل شبه حصري مع من يكتبون بالفرنسية. تعالٍ أم مجرد جهل؟ ربما الاثنان معا. هناك أيضا الكثير من التقصير من طرف المكلفين بالتواصل المغاربة، وقيم المعرض، الذين كان عليهم التركيز على هذا المشهد بالعربية و”فرض” غناه.   

كان لسان الجناح المغربي، ناطقا باللغة الفرنسية أكثر منه بالعربية. وأغفل الكثير من الكتاب المغاربة بالعربية المقيمين في المغرب. أمر امتد إلى من يقيمون في فرنسا، وبعضهم مقيم في باريس منذ أكثر من عشرين سنة. التفاصيل السيئة الذكر مجددا.

هناك أيضا غياب “كاتالوغ” الكتب المشاركة في الجناح. أليس معرضاً لبيع وترويج المؤلفات؟ كثيرون كانوا يسألون عن كتب فيجهل العاملون في الجناح الإجابة. بعض الكتّاب والناشرين بأنفسهم بحثوا عن كتبهم، التي شحنوها إلى باريس، بلا جدوى! 

لكن هناك مكاسب أيضاً. فقد أعلن المغرب وفرنسا عبر مؤسسات ثقافية كـ”المركز الوطني للكتاب” في فرنسا ووزارة الثقافة المغربية، أنها فتحت الباب أمام إمكانية تمويل ترجمات كتب عبر اللغتين ونشرها. هذا قد يسهم في نقل الثقافتين في الاتجاهين. كما كان هناك ناشرون غربيون يبحثون عن كتاب مغاربة لنشر أعمالهم. الاهتمام بكاتب واحد قد يفتح الأبواب أمام الآخرين إن نجح النموذج الاقتصادي لعملية النشر… وهذه أهمية المعارض الدولية.

مزحة “رحال” أشهر “الكتاب” المغاربة

في معرض باريس للكتاب، لمع نجم مغربي لا يعرفه القارئ العربي ولا الغربي، ولم يفطن له أبدا، ولا لقدراته الأسلوبية على الرغم من أنه أشهر رجال المملكة على الإطلاق. والدليل أنه قد أفردت له مساحة تعادل نصف مساحة الرواق المغربي. هذا الرجل تسلل اسمه إلى كل بيت مغربي لعقود. أما أعماله الكاملة فيتهافت عليها الأغنياء و(الفقراء منهم حين تفتح الصدفةُ أبوابه المغلقة الإحكام أمامهم). يتقن كل الوصفات وتنبع من إبداعاته رائحة مغربية أصيلة. ولأنه الأكبر والأهم والأكثر إتقانا وفهما لما يحتاجه رواد المعرض.

 إنه يتحدث بلسان آدم، وكل الألسنة تستطيع لوك حروفه، الدائرية والهلالية والمنقوعة في العسل. هذا الرجل هو “رحال”، الذي بعد وفاته لا يزال أبناؤه يحملون اسمه، ويساهمون في بقائه. رحال ليس كاتبا، وإنما كان منظم الحفلات، الأشهر في المغرب. يقدم أطباقه في حفلات الملك الراحل الحسن الثاني، وأعراس الأمراء والشخصيات النافذة في البلاد. لم تفوّت الشركة العائلية، الأشهر في مجال “المطاعم”، فرصة أن يكون المغرب ضيف شرف معرض باريس للكتاب ووجدت لها موطئ قدم، على بعد أمتار من الجناح المغربي.

سياسة آتت أكلها، على ما يبدو، إذ إن زبائنه، كانوا بالمئات، ولا حسد.  

 لنعلن هدنة مع السخرية.

ما الذي يراد، بهكذا صورة للمغرب في كل الأحداث الثقافية التي تنظم في أماكن مختلفة من باريس. في عام 2015، نُظم معرض للفن المعاصر والحديث في المغرب في معهد العالم العربي. وأمام بوابته نصبت خيمة كبيرة، لبيع الحلوى والشاي المغربي بالنعناع، بقرار مغربي! وفي كل حدث، يفترض أنه يروج للثقافة المغربية المعاصرة، تزرع هذه المظاهر من الثقافة المغربية في قلب أحداث ترغب في إظهار الصورة المعاصرة للمغرب. الأكل من أهم مظاهر الثقافة صحيح وقد يوحي لسياح بزيارة البلد. لكن أن يمنح “رحال”، مساحة تعادل نصف مساحة الجناح المغربي، فهو أمر مدعاة للحسرة. هل هي رغبة في الإكزوتيكية، في بعدها الاستعماري، ما زالت تُروَّجُ حول المملكة في فرنسا، أم نحن الذين لا نفصل بين معرض كتاب ومعرض للأكل بما أن إظهار غنى المطبخ المغربي جزء من المشاركة المغربية في المعرض؟

 يظل السؤال عالقاً في “تفاصيل” وصفة المعرض التي لا يدري بأسرارها إلا الطباخون “الشياطين” المَهَرَة.

2017-03-27
الحسين النبيلي