مؤلف ” قمة الجبل ” للكاتب حسن بوفوس بين : ” شكلانية طقوس الآداب المصطنع وواقع الصراع الباطني “

الحسين وبا21 فبراير 2019
مؤلف ” قمة الجبل ” للكاتب حسن بوفوس بين : ” شكلانية طقوس الآداب المصطنع وواقع الصراع الباطني “


ذ. الحسين وبا

مرة أخرى يخطف الروائي حسن بوفوس أنظار عشاق المتن الحكائي في مجال الرواية بإصدار مؤلف جديد و سمين يحمل عنوان ” قمة الجبل” .
يتألف المؤلف من 207 صفحة من الحجم المتوسط و ثلاثة و عشرون فصلا مفصلا بدقة متناهية في السرد والوصف و التعريف و التشبيه و المقارنة و التفسير. و هي أساليب ز تقنيات لا يمتلكها و لا يعتمدها الا ذوو الممارسة و التمكن .
ولتقريب عزيزي القارئ من احداث ووقائع هذا المؤلف المشوق ، أ قترح عليكم العتبات التالية:

عتبة الكاتب :
هو السيد حسن بوفوس من مواليد طنجة . تابع دراسته الابتدائية و الاعدادية و الثانوية بعاصمة البوغاز ، فيما شهاداته الجامعية حصدها من كلية الاداب و العلوم الانسانية بفاس عاصمة الادارسة التاريخية. يعمل اليوم أستاذا للغة الفرنسية بثانوية ابن الخطيب التاهيلية. له مجموعة من المؤلفات الابداعية نذكر منها:
– 1-مذكرات معتوه- مجموعة قصصية
– 2- الرقص على حبال المكر – رواية –
– 3- A reculansOU le sourire efface- Roman
– 4- قمة الجبل – رواية

2/ عتبة المؤلف :
تنطلق أحداث النص من ” أعلى قمة الجبل ” و هو فصل يتطرق الى سفر حسن ، متزوج و أب لولدين رفقة لمياء ، امرأة حسناء و متهورة في ذات الوقت ، تطلب من خليلها السرعة و كأن المكان المقصود
سيرحل. لتنتهي فصول القصة ووقائعها باجتماع الاحباب وحلول المحاكمة و تصفية الحسابات أي بانتهاء سفر حسن و بجانبه صديقه محسن وورائهما فتحية.

يتبين من خلال المؤشرات الخارجية للنص ، أن مشاكل الأحباب ظاهريا و الأعداء باطنيا لا تعد و لا تحصى ، و بما أن فضاءاتالمدينة لم تكن قادرة على احتواء تناقصات و خبايا هؤلاء الشخوص ، فقد أبدع الكاتب في اختيار فضاء طبيعي خارج المدينة الا وهو الجبل ، الذي اعتمده كاتبنا بمثابة تحد و اختبار للنفوس الضيقة و الشخصيات الضعيفة، التي غالبا ما تستسلم و تودع المعركة .في حين يقدم الناجحون في حياتهم على الوصول الى مثل هذه الأماكن و هم مبسوطون و فخورون بالمبادرة.


عميقة.- في رأينا المتواضع ، إن رمزية الجبل في هذا الباب لها دلالات
اذ بقدر ما يجسد العلو الخوف و الرعب و الموت المحقق يشخص أيضا الجمال و القداسة و النجاح و. هذا البعد عن المدينة و هذا الارتفاع عن الأرض والاختلاء بالذوات و المشاكل هما الشرطان الأساسيان اللذان بواسطتهما ستحل كل الاشكالات العالقة- بين أحباب وأخلاء الرواية- الظاهرة منها و المسكوت عنها وقت اجتماعهم الأخير.
توظيف الكاتب للرؤية السردية من الخلف ، يمنحنا الاعتقاد الجازم ، أن خيوط الحبكة كانت محبوكة على الآخر، الشيء الذي مكنه من التحكم في زمام الأحداث و تفاعلها سواء أثناء هدوئها او تعقيدها ، فضلا عن تحكمه في تعاقب زمانها و إبداعه في اختيار فضاء مكانها بسهولة متناهية .كل هذا تم بلغة بسيطة وواضحة ترتكز على جمل فعلية و اسمية ، تتخللها اشتقاقات و ترادف و تضاد ،يجبرها السياق تارة على الطول و تارة أخرى على القصر، و أسلوب سلس و مشوق يعيد لنا الحنين لقراءة أعمال” جبران خليل جبران و مصطفى المنفلوطي و ابو المعاطيابو النجا وغيرهم من الأدباء و المبدعين الذين اغنوا الخزانات العربية بمؤلفات نقيسة ولذيذة.
باختصارتعتبر رواية” قمة الجبل ” بحق نموذجا في فصاحة التعبير و مثالا مميزا في اعتماد تقنيات السرد و الوصف و التفسير.

3/عتبة العنوان:
يتألف العنوان من الناحية التركيبية من جملة اسمية ، مكونة من كلمتين بارزتين، هما :
– قمة: هي أقصى ارتفاع على نطاق الجبل.و تعني: ذروة، أوج، رأس، و الكلمة خبر لمبتدأ محذوف
وهو مضاف.
. – الجبل: عبارة عن ارتفاع طبيعي عن سطح الأرض
يتميز بقمم صخرية حادة وسفوح شديدة الانحدار ، وهو مضاف إليه .أما من الناحية الاصطلاحية ، فقمة الجبل توحي إلى علو شاهق ، يثير الخوف و الرعب و يحيلنا على الموت المحقق، لا يصله إلا الأبطال ، ذوو العزيمة القوية و الطموح الشامخ و المجد البطولي.
.وأعتقد أن اختيار الكاتب اجتماع الأحباب ضمن الفصل الأخير من الرواية بهذا المكان بالضبط ، يحمل الكثير من المعاني الفنية و الجمالية و الدلالات اللغوية و النفسية، خصوصا لما اعتبر قمة الجبل كآخر محطة لتصفية الحسابات و حل الخلافات الحاصلة و العالقة بين أفراد تربطهم آصرة القرابة و الصداقة، بعيدا عن عيون المدينة و ضوضائها و صخبها وعدسات سكانها .
4/ عتبة الصورة :
يمكن النظر الى صورة المؤلف من مستويين هما:
1- على مستوى الالوان، يلاحظ ان اعتماد الكاتب مجموعة من الألوان لدليل على تنوع الاحداث والمشاكل و القضايا التي ترهق نفسية الشخوص الموظفة في النص ، وهذا ما ينسجم مع اللون الرمادي الذي أتى على شكل غيوم مخيمة في البداية ، ليتوج الخلاف بالرضوض و الجروح الغائرة و هذا ما يعكسه اللون الأحمر، وينتهي الأمر اي الصراع بالندم و الحزن و هذا ما يفسره اللون الأسود الذي أثار حضوره كاتبنا بشكل جلي.
2- على مستوى الوجه المجسم :
يلاحظ أن هناك تطابق كبير بين المستويين السالفين الذكر ،خاصة وان الوجه المشار إليه ، نصفه الأول سليم و عادي ،فيما النصف الثاني غير ظاهر بالمرة ، تطغى عليه جروح غائرة، في إشارة فنية بليغة الى أن الوجه هو مرآة صاحبه بكل عام سواء كان جميلا و وسيما او مخدوشا و سيئا .أما من حيث حضور العين واحدة مفتوحة على المجتمع و الأخرى مختفية ، فهو إيحاء فني بديع من الكاتب الذي يرسل إشارات اجتماعية و ثقافية قوية، تفيد أن الإنسان العاقل اليوم هو الذي يغض البصرعن الكثير من الأمور، و في الكثير من الأوقات و خاصة في الظروف العصيبة ،و إلا عرض نفسه إلى مالا تحمد عقباه. صورة وجه بعين مفتوحة و أخرى تذكرني بمجموعة من الصور لشخصيات نافذة في عالم السياسة تعتلي أغلفة المجلات و الكتب النفيسة ليست وليدة اليوم ، كما أنها غير مرهونة بواقع معين ولا بمجال واحد ولا حتى ببلد أو دولة واحدة .مما يعني أن رغم كل الاختلافات التي يمكن أن توظف فيها هذه الصورة لكن أهدافها و مقاصدها تبقى واحدة.

لكن، لماذا يعتبر الإنسان الحامل لعين واحدة إعاقة؟ واذا سلمنا جدلا، أن اللجوء الى المشاهدة بالعين الواحدة تنجي صاحبها الاصطدام و أوجاع الرأس وتبقيه مرغوبا فيه داخل دائرة الأحباب والمعارف، نتساءل : كيف يقبل الإنسان العيش بنصف السعادة و أنصاف الحلول ؟