المراكز الجهوية لمهن التربية والتكوين والواقع الذي لا ينفع معه التطبيل والتلميع

آخر تحديث : الأربعاء 13 فبراير 2019 - 9:14 صباحًا

العربي شحمي / سيدي قاسم

يبدو أن قافلة المراكز الجهوية لمهن التربية والتكوين لا تزال تائهة، أو على الأصح،  لم تفلح بعد في الوصول إلى الرسوِّ على برٍّ يُسعفها على الاشتغال الذي يتحاشى الوقوع في الارتجال، والتشتت، والانحراف عن خارطة الطريق التي يطرحها المرسوم رقم 672-11-2 الصادر في 27 من محرم 1433 (23 ديسمبر 2011) المتعلق بإحداث وتنظيم المراكز الجهوية لمهن التربية والتكوين، والذي من بين ما جاء فيه أن المراكز الجهوية لمهن التربية والتكوين ـ إلى جانب تكوينها للأطر الإدارة التربوية، ولأطر هيئة الدعم الإداري والتربوي والاجتماعي ـ ” تتولى القيام بتأهيل أطر هيئة التدريس المتدربين .… تأهيلا تربويا لمهنة التدريس، بالإضافة إلى تأهيل عملي في إطار التداريب الميدانية بمؤسسات التربية والتكوين… “

وبمعنى آخر، أن مراكز مهن التربية والتكوين تأخذ على عاتقها تأهيل ” هيئة التدريس”، تأهيلا يمكنها من امتلاك معارف وكفايات ذات الصلة بمواد التخصص، وأخرى ذات الصلة بالعلوم التربوية والديداكتيكية، وبأدوات وسبل استثمارها حين يعهد لهاته الهيئة القيام بمهام التدريس في المؤسسات التعليمية ، وإن كان ذلك سيبقى صعب التحقيق في الوقت الراهن .

وهذا معناه ، أن المؤسسات الجهوية لمهن التربية والتكوين ، في وضعها الراهن، تعيش واقعا  صعبا، لا ينفع معه التطبيل والتهليل لصرف الانتباه إليه، ولا ألوان الطيف لتلميعه  وتزيينه. ومما يعمق هذا الواقع ويزيده صعوبة أكثر، أن السلطة الوصية الحكومية المكلفة بالتعليم المدرسي، ومعها بناتها من المديريات الإقليمية، والأكاديميات الجهوية، ألفت هذا الواقع، وارتاحت إليه، كما ارتاحت، مع خفوت الاحتجاجات أو اقترابها من أن تصبح في خبر كان، إلى ما تقدمه من خدمات، لا تبل الريق، لمراكز مهن التربية والتكوين.

وفي هذا السياق، فإن جولة سريعة، في مركز معنية، يقول أحد العارفين ، تكفي الواحد لأن يضع أصبعه على العديد من تجليات هذا الواقع . وما يتصل به اختلالات تحول دون الوصول إلى التكوين والتأطير الجيدين، وإلى  التسيير الإداري المناسب. وهي، في جانبها الأول، تتمثل فيما له صلة بالخصاص المهول في الموارد البشرية، من أساتذة، وإداريين، وتقنيين ، وأعوان الخدمة. وفي جانبها الثاني، تتمثل فيما له صلة بفضاءات وأدوات التكوين، والتي بمجملها لا ترقى، وإن في حدودها الدنيا، إلى المستوى المطلوب. هذا فضلا عن الإكراهات التي يطرحها الفراغ القانوني الذي يرتبط بالتأطير الميداني بوجه خاص.

ولعل حال مركز مهن التربية والتكوين بسيدي قاسم ، خير نموذج  échantillon للوضع غير المرغوب فيه الذي لا  يتمنى أحد أن تصبح عليه مراكزنا الجهوية لمهن التربية والتكوين .

وهكذا، فمن حيث الموارد البشرية في المركز هذا، يصح القول أنها تعرف شُحا باديا للعيان، بدليل أن عدد أطره الإدارية أقل بكثير من عدد أصابع اليد الواحدة، وهذا الأمر له تبعاته السلبية بطبيعة الحال. كما أن عدد أطر التكوين فيه لا يغطي مواد التكوين بشكل كامل، وهو ما جعل مواد كالتاريخ، والجغرافيا، والأمازيغية، وتكنولوجيا الإعلام والاتصال، والرياضيات تكاد تكون قيد الانمحاء بشكل من الأشكال. وفي هذه النقطة بالذات، من المفيد الإشارة إلى أن مادة الرياضيات، على سبيل التمثيل لا الحصر، بحسب مصدر قريب من أطر التكوين، لم يستفد منها المركز بما يكفي مدة ثلاث سنوات متتالية.

أما فضاءات وأدوات التكوين، بذات المركز، فإنها تكاد تكون  منعدمة، أو في طريقها إلى ذلك. بمعنى أن كل ما هناك قاعات، وتجهيزات، ومعينات، ومستلزمات  ديداكتيكية، منقضية الصلاحية، أو في طريقها إلى الانقضاء ، مع مكتبة تشكو من عوز كبير!.

وهنا، تجدر الإشارة إلى أن البناية التي تم جعلها كمركز، من حيث هندستها المعمارية، لم تُعد لأن تكون كذلك. وإنما أُعدت لأن تكون مدرسة ابتدائية ، غير أنها، في الثمانينات ، حُوِّلت ، قصرا، الي مركز لتكوين المعلمين، ثم فيما بعد أصبحت مركزا لمهن التربية والتكوين. وهو ما يطرح على الإدارة استعارة قاعات كبرى، من مؤسسات أخرى، كالشبيبة والرياضة مثلا ، كلما دعت ضرورة التأطير الجماعي إلى البحث عن فضاءات واسعة… وبشكل خاص عند  تنظيم الدورات والندوات واللقاءات التكوينية المبرمجة ضمن أنشطة المركز.

أما بخصوص التأطير الميداني، فغياب قانون ضابط ، يُبين ما للمفترض مشاركتهم في العملية وما عليهم، جعل من الصعوبة بمكان، أن تجرى التداريب التطبيقة خارج العلاقات الشخصية التي تربط أساتذة المركز وإدارته بأساتذة المؤسسات التطبيقية وإداراتها. لأن الجميع يدرك  أنه في غياب قانون ملزم للأطراف المعنية بالتداريب، أو في غياب تحفيزات عينية لهم جميعا : الأساتذة المدربون ، أطر الإدارة التربوية بمؤسسات التطبيق، أطر المراقبة التربوية المعنيين، لا حَق لأية جهة كانت أن تجبر الأساتذة بمؤسسات التعليم العمومي على استقبال الأساتذة المتدربين.  

وفي الأخير، ألا يمكن القول بأن ما تقدم ، يطرح مسألة احترام الدستور على طاولة النقاش، خصوصا وأن التراخي في إيجاد حلول حقيقية لسد الخصاص ومستتبعاته، وفي الحيلولة دون وصول الأمور إلى حد الإجهاز على اللغة الأمازيغية. كما يطرح ، في ذات الآن، أكثر من علامة استفهام حول مدى احترام توجيهات المجلس الأعلى للتعليم. واحترام مرسوم إحداث وتنظيم مراكز مهن التربية والتكوين، وتنزيله بالكيفية المطلوبة. هذا فضلا عن وضع أكثر من علامة تعجب حول صدقية الخطابات الرسمية التي تروج لسعيها الدؤوب إلى تجويد الفعل التأهيلي التربوي/ النظري ، والفعل التأهيلي التطبيقي / الميداني بمؤسسات التكوين، و  بالمؤسسات التعليمية العمومية بوجه عام، إلى درجة أنها اتخذت من نشيد ” الجودة ” ومرادفاتها ، في الفعل التربوي التعليمي بالمؤسسات التربوية ” مسمار جحا ” الذي تعلق عليه كافة التبريرات ” المُوهِمة ” بضرورة  فصل التوظيف عن التكوين من أجل تحقيق الجودة !!

 

2019-02-13
المدرس