هل هناك مجال لربيع آخر عبر صناديق الاقتراع؟؟

هل هناك مجال لربيع آخر عبر صناديق الاقتراع؟؟

ثماني دول عربية تركب قطار انتخابات رئاسية

بعد سنوات الربيع العربي العجاف التي طوحت باستقرار دول في الوطن العربي، وقطفت رؤوس بعض الحكام رأى الشعب أنها بعد طول يناعة تسرب إليها الفساد ففاحت رائحتها في بنوك الغرب وصفقاته، تاركة الشعوب تنهش بعضها، تقتات على ما فضُل فلم يبقى أمامها سوى تكسير جدران الصمت والخوف السميكة التي جثمت على الصدور فقطعت أنفاسها عقودا… بعد هذا “الربيع” الذي زاد المسافة بين العرب وبين الديمقراطية بعدأ، تدخل ثماني دول عربية في هذه السنة 2014 غمار الانتخابات الرئاسية، والشعوب التي يئست من الانتخابات المزورة والصورية تشرئب لغد أفضل. فهل تزهر هذه الانتخابات ربيعا ديمقراطيا فشلت الثورات واحتجاجات الشوارع في إزهاره ؟ أم أن الانتخابات في أوطاننا العربية مجرد سراب ميؤوس منه نتائجه محسومة سلفا لصالح الحاكم وزبانيته ؟؟
في ظل وضع إقليمي يعيش وضعا استثنائيا، تستعد ثماني دول عربية دخول غمار انتخابات محسومة نتائج بعضها: ثلاثة من هذه الدول ( مصر تونس وليبيا) عاشت ربيعا مزلزلا أسقط الثمار الرئاسية المتعفنة ، ودولتان على شفا السقوط في الثقب الأسود لما تعرفه من دوامة عنف رهيب تجاوز كل تصور (العراق وسوريا) ولم يعد يعرف فيها من يقتل من ؟ ودولتان عرف عنها في السنوات الأخيرة عدم استقرار الرؤساء لدور العسكر فيهما يد في تعيين الرئيس( الجزائر ولبنان) ودولة ثامنة تعيش ربيعها على طريقتها الخاصة بعيد عن الإعلام العربي والعالمي (موريتانيا) ، وإن كان لكل دولة خصوصيتها فالرئاسيات وعدم ثقة فئة عريضة من شعوبها في شفافيتها تضع كل هذه الدول في سلة واحدة:
من الأطلسي في اتجاه الخليج نلقي نظرة سريعة على هذه الانتخابات، فإذا كان المغرب قد حسم مسألة الانتخابات والدستور في وقت وجيز وخرج النظام أقوى بعد تعيين حكومة نصف إسلامية، فإن عددا من الشعوب العربية لا زالت ترنو لانتخابات وتشرأب لما ولمن قد يعيد إليها استقرارها هكذا ستعيش باقي دول المغرب العربي الأخرى انتخابات قد ترهن البلدان لسنوات قادمة إذا ما حصل إجماع على نتائجها، واتفاق على شفافيتها: موريتانيا الجزائر تونس وليبيا على مشارف شد انظار العالم بانتخاباتها مع تفاوت في درجة المتابعة العالمية، بين دول تخوض أول انتخابات رئاسية في تاريخها (ليبيا ) بعد خلع حاكم (القذافي) فريد من نوعه، وانتخابات بلد قاد أول ثورة عربية لم يكن أحد يتوقعها فيه (تونس) والتي ينظر البعض إلى ثورتها على أنها الأنعم من باقي الثورات العربية، وتعقل أصحاب القرار في البحث عن حلول لتجاوز الأزمة بأقل الأضرار بعد انتخابات المجلس التأسيسي والمصادقة على بنود الدستور والترويكا لتسيير البلاد ، مما قد يؤهلها لتكون عبرة لباقي دول الربيع العربي، وإذا كانت تونس ، موريتانيا وليبيا لم تحسب بعد في يوم الاقتراع ،فإن الجزائر حددت يوم 17 أبريل تاريخا للحسم في الرئيس المقبل للبلاد، وبذلك تكون فاتحة لمسلسل انتخابي رهيب عربيا، وبما أن البداية على الطريقة الجزائرية فقد أوضحت لكل المتابعين للمشهد السياسي العربي، كيف يمكن تصور باقي حلقات هذا المسلسل ونهايته أيضا: بعد أن قام 18 رئيس حزب بسحب استمارة الترشيح مما كان ينبئ بحملة انتخابية شرسة على مقعد الرئاسة، جاء ترشيح صورة عبد العزيز بوتفليقة (الرئيس غير المرئي) ليزيد الصورة ضبابية ، ويسرب الشك في مصداقية الانتخابات وشفافيتها إلى النفوس ويتوالى سحب الترشيح ليقتصر التنافس في النهاية على ستة مرشحين هم :عبدالعزيز بوتفليقة، ورئيس الحكومة الأسبق علي بن فليس، ورئيسة حزب العمال لويزة حنون، ورئيس حزب الجبهة الوطنية الجزائرية موسى تواتي، ورئيس حزب عهد 54 علي فوزي رباعين، ورئيس حزب جبهة المستقبل عبدالعزيز بلعيد. بعد انسحاب لاعبين أساسيين في اللعبة السياسية بالجزائر من اليمين واليسار
وإذا كانت مصر قد عاشت بعد الإطاحة بمبارك عدة معارك انتخابية سواء حول تعديل الدستور، انتخابات برلمانية، أخرى رئاسية واستفتاء شعبي تم خلاله المصادقة النهائية على الدستور بعد وصول محمد مرسي لكرسي الرئاسة مما كان يوحي أن أرض الكنانة قد طوت مرحلة القلاقل والاضطرابات فإنها تجد نفسها مع سنة 2014 قد عادت لنقطة الصفر برئيس عسكري يبدو الأوفر حظا لاعتلاء كرسي الرئاسة بعد إحكام أقفال الزنزانة على رئيس منتخب وارتفاع أصوات من هنا وهناك تدعوه لترشيح نفسه واعتباره منقذا البلاد والعباد ، ليحاول تسويق استقالته من منصبه العسكري وترشحه مدنيا تلبية لأصوات فئات من الشعب ، والشمس لا تحجب بالغربال..
وبين الجزائر ومصر دول تدخل الانتخابات الرئاسية بمنطلقات مختلفة : فليبيا تقتحم عباب الانتخابات الرئاسية لإول مرة في تاريخها، فبعد ملكية السنوسي، وحكم القدافي العصي على التصنيف، الذي تهاوى وترك البلاد بلا أحزاب ، أو دستور و جعل المرحلة الانتقالية طويلة وعصيبة، تستعجل ليبيا اليوم انتخابات مبكرة عساها تنقذ ما يمكن إنقاذه وإن لم يتم الحسم بعد في النظام المتفق عليه ليخلف المؤتمر الوطني الحالي ولا في شكل الانتخابات وموعدها وما إذا كان المطلوب مؤتمرا وطنيا جديدا أم برلمانا ورئيس دولة”…. في الوقت الذي يرى كثيرون في النموذج التونسي الأنسب للخروج من عاصفة الربيع العربي باقل الأضرار بعد الحسم في الدستور والاتفاق حول الائتلاف الحاكم واتخاذ الكافي تحضيرا لرئاسيات لم يحدد تاريخ إجرائها بعد ، بخلاف لبنان التي حددت الفترة في ما بين 25 مارس و25 ماي ، وإجراء الانتخابات النيابية يوم 20 نونبر 2014 بعد تمديد الولاية النيابية 17 شهرا ، ما لم تقع مفاجئات في أكثر البلدان العربية تنظيما للانتخابات الرئاسية ،
وعلى شواطئ الأطلسي ترقد موريتانيا متعبة بأحزانها ، منتظرة رئاسياتها في خلاف بين الأغلبية والمعارضة التي قاطعت الانتخابات البرلمانية والبلدية، ووسط دعوات لتوحيد صفوف المعارضة والاتفاق على مرشح موحد، وإن كان الاقتناع أن انتخابات موريتانيا لن يكون لها تأثير كبير على المشهد السياسي العربي ، وأن هذا التأثير لن يتجاوز المجال الداخلي وبعض دول الجوار، بخلاف انتخابات العراق وسوريا التي تتطلع إليها العيون لما يعيشه البلدان من توثر داخلي له امتدادات إقليمية ودولية : هكذا ستعرف العراق انتخابات برلمانية في شهر أبريل في جميع المحافظات بمشاركة 244 كيانا سياسيا من الشيعة السنة والأكراد الذين مزقوا البلاد مللا ونحلا، لم تستطع الانتخابات السابقة أن توحد بينها،وهذه أول انتخابات عراقية بعد خروج أمريكا من بلاد الرافدين، أما سوريا التي تعيش على صفيح أكثر سخونة – جراء الهزات الإرتدادية للزلزال العربي – من باقي الدول العربية فمن المرتقب أن تنتهي عهدة بشار الرئاسية في شهر يوليوز ومن المحتمل أن يرشح نفسه لعهدة جديدة ما لم تتدخل أطراف خارجية لتنيه عن ذلك أو إيجاد مخرج آخر يتيح للرئيس إمكانية تمديد ولايته لصعوبة إجراء الانتخابات في ظل ما تعيشه سوريا من أوضاع
ما يمكن استخلاصه من هذه المعارك الانتخابية القادمة على حساسيتها، وأهميتها، هو أنه إذا كانت الانتخابات في العالم تنظم من أجل التناوب على السلطة، وإعطاء الفرصة للشعوب لاختيار من يدبر شانها العام فأنها في أوطاننا العربية لن تعدو أن تكون مجرد عاصفة في فنجان، نتائج بعضها محسوم لصالح الحكام الحاليين، ونتائج البعض الآخر قد يزيد دولا معينة تمزيقا وتطاحنا وربما – لا قدر الله- قد تساهم في تقسيم بعضها، فما تحتاجه الدول العربية في الوقت الراهن هو إعادة بناء الثقة بين المواطنين والمؤسسات، وترسيخ فكرة استمرار المؤسسات إن غاب الأشخاص، والارتقاء بالعرب من ساكنة ورعايا إلى مستوى المواطنة الضامن للحقوق والواجبات فيها هواعتبار القانون المرجع الوحيد في صيانه هذه الحقوق، وأن الوطن ليس مجرد حيز جغرافي تتدافع فيه الإثنيات والأعراق لبسط نفوذها والحفاظ على حاكم يضمن مصالحها، فالمواطنة الحقة قيم ومبادئ تعكس إرادة المواطنين في إطار المؤسسات تضمن المساواة والعدل بين جميع المواطنين وتتيح نفس الفرص أمام الجميع ولا هدف من وجودها إلا خدمة مواطنيها واعتبار أن لا خضوع إلا لسيادة القانون.. وهي أمور تبدو غير مدرجة في اهتمامات الانتخابات العربية القادة ،ما دام الهم الوحيد هو ضمان الكرسي للرئيس المرتقب المتفق عليه في الكواليس أو في العلن…