مدرسة الحاج أحمد الرهوني

الحسين وبا8 يونيو 2016
مدرسة الحاج أحمد الرهوني

كنت كثير الفرح ، لما أمسكتني امي العزيزة – رحمها الله – بشدة من يدي اليمنى ، و قادتني الى المدرسة ، لا لشيء غير أنني أصبحت ذا السابعة من العمر ، و مكوث الاطفال بالبيت في هذا العمر يعد خسارة في المتخيل الشعبي ولا ياتي من ورائه خير ابدا . لعله كان السبب الذي اندفعت له امي و قبضت على يدي و كاني لص في حالة تلبس . صحيح انني من حين لاخر كنت اجرها الى مشادات كلامية لم تكن ترغب فيها مع ابناء الجيران ،لكن ماذا عساها تفعل وولدها في مشكلة ؟ و الخطير أنه لا يمر يوم إلا و يطرق باب دارنا مرتين او اكثر. و لحسن حظي ان والدي ان والدي العزيز- رحمه الله – كان يقضي النهار في العمل و لا يعود للدار إلا ليلا ، اي بعد مروره بمقهى المحطة لإتلاف اتعاب اليوم و تجاوز اصطدامات العمل سواء مع صاحب الشغل الذي يطالب بالسرعة قبل الاتقان او مع المتعلم الذي يرى روحه تطلع من جسده من فرط مطالب معلمه ومشغله ، لذلك كان يسب مطلع النهار الذي يحضر فيه هذا الاخير و هو يراقب حركته و طريقة تقريبه للأجور للمعلم او خلطه لعجين الرمل بالاسمنت حتى لا تجمد العجنة 1.
تعودت على عادات ابي ، وصرت اخافه اكثر مما اخاف من امي ، خصوصا لما كان يلاحظ غياب احدنا عن البيت، و يصيح غاضبا في وجه امي:
-اين احمد ؟ – ألا تعلمي كم الساعة الآن ؟ الم تسأل عنه ابن جارنا ؟ حسنا ، اصمتي ولا تتكلمي ، سترى عاقبتك اذا حدث له شيء.
لما ولجت المدرسة ، أحسست حينها أن حريتي المعهودة قد انتهت ،لاني ببساطة ادركت من خلال وقت الدخول و الخروج، ووجود أستاذ امامي يملأ صوته الحجرة الدراسية عندما يتفوه بالجملتين التاليتين : انتبهوا…….استمعوا……. ورجل اخر طويل، أشهب وانيق يحمل نظارات زجاجية عند
ما يقتضي الأمر يطالبنا بالانضباط في الصف وعدم ترك الصنابير مفتوحة، لم يكن غيرالمدير سي المرابط المرحوم ، ورجل غطى الشيب بعض مناطق رأسه ، يعلن الدخول و الخروج عن – الجرس الحالي- عن طريق صفارة قوية ، و يهرع راكضا بقضيب وراء كل من زاغ عن الصف ، لم يكن غير المرحوم عبد السلام البورطيرو2 -الحارس- : أن عالما جديدا اضحى يحضنني و يلزمني الاحترام و الانضباط و الاجتهاد. رغم الخوف و الصمت الذي كان يخيم على رحاب المدرسة ، ورغم قلة ادواتنا و حركتنا ، و كثرة جوعنا و بردنا ، كنا نحس باللذة : لذة القراءة و الكتابة التي منحتنا لذة العيش ومواصلة حب الدراسة.
من أجمل اللحظات التي كنت أراكمها يوما على يوم بهذه المدرسة ، هو صفير صفارة عمي عبد السلام3، الذي كان يحمل في قوته عبير الفرح ، لأنه يمنحنا الحق في الاستراحة و استرجاع أنفاسنا التي تفارقنا وقت بداية الدرس و وقت استظهار جدول الضرب او القران الكريم.
كانت مدرسة احمد الرهوني قبلة لكل الاطفال ذوي السابعة من العمرو المقيمين رسميا بقرية مرتيل الساحلية ، سواء كانوا فقراء او ميسورين. و بذلك فهي تعد اول مدرسة في تاريخ مرتيل الحديث. وبالرغم من ظهور مدرسة الدفوف كملحقة لتخفيف ظاهرة الاكتظاظ التي اجتاحت كل مرافق المدرسة ، و بالرغم من انقسام الاساتذة ، و التحاق مجموعة كبيرة من التلاميذ النجباء بها ، ظل كعب مدرسة الرهوني سامقا واسمها شامخا بإقليم تطوان على الاقل ، سواء من حيث النتائج التي تحققها عاما على عام و بأنشطتها التربوية الهادفة أو بأسماء الكفاءات التي كانت تدرس بها ، و التي – في الحقيقة- كنا نفتخر فيهم من ذاك الزمان ك: السي الغازي- القسم الثاني- و السي العمارتي- القسم الثالث فرنسية- و السي عمرالبحديثي- الخامس عربية- و السي موحا الخشبي- الثالث فرنسية- و السي احمد – القسم الاول- و السي اشندير- القسم الاول- و السي عبد الرحمن- مسؤول عن المطعم المدرسي- و اخوه الصديق رحمهم الله ، ثم السي عمر الكدماوي- القسم الخامس عربية – و السي عبد اللطيف الطنجاوي- القسم الخامس فرنسية – و السي الألنتي- القسم الثاني – والسي المودن احمد- القسم الثالث عربية- و السي البقالي – المنشط – و السي علي- الخامس فرنسية- و السي برهون- الرابع عربية-……الخ
واذا كانت اشغال و انشغالات بنو ادم التي لا تنتهي…قد وضعت حدا لمجموعة من الذكريات الماضوية الجميلة ، ناسية و غير مكترثة بعلاقات طفولتها البريئة ، لتعيش حاضرها ، فان بناية المدرسة لاتزال الشاهد التاريخي الاكبر على ذلك ، حيث لا نكاد نمر بأحد شوارعها ، إلا و تذكرنا جنون الطفولة ، و فهمنا كم كان الزمان يخبئ عنا اشياء كثيرة.
………………………………………….
1العجنة: خليط من الماء و الرمل و الاسمنت.
2البورطيرو:كلمة بالاسبانية و تعني الحارس.
3عمي عبد السلام: الاسم الذي كنا ننادي به حارس المدرسة انذاك..