دراسة للدريج: التحصين النفسي لحماية الأطفال والشباب من تعاطي المخدرات و من السلوك العدواني

آخر تحديث : الإثنين 1 يناير 2018 - 3:36 مساءً
دراسة للدريج: التحصين النفسي  لحماية الأطفال والشباب من تعاطي المخدرات و من السلوك العدواني

 التحصين النفسي

لحماية الأطفال والشباب من تعاطي المخدرات و من السلوك العدواني و المنحرف

مشروع إنشاء برنامج متكامل

إعداد : محمد الدريج

أستاذ باحث في علوم التربية

(جامعة محمد الخامس) – الرباط

تـقـديـم

لا أحد يشك في خطورة الآثار الاقتصادية و الاجتماعية و النفسية  التي يخلفها الإدمان على المخدرات كسلوك منحرف، في المجتمعات و الأفراد في نفس الآن، فهي تشل حركة المجتمع وتضر بسلوكيات أفراده وتؤثر في استقرارهم وأمنهم ومستوى أدائهم.

ولعل في مقدمة الفئات التي تعصف بها المخدرات فئة الشباب وإلى حد ما الأطفال ،وهي القوة الفاعلة في المجتمع التي أصبحت تعرقل مسيرتها مختلف العوامل ،من أهمها الفقر والبطالة والفراغ والمشكلات الأسرية والمدرسية مثل الهدر المدرسي وضعف الشخصية وتضارب في منظومة القيم وغيرها ،والتي تعمل على تفاقم ظواهر الانحراف وفي مقدمتها الإدمان. فضلاً عن العوامل المرتبطة “بالعولمة المتوحشة” ، التي بدأت تنتشر من مثل التأثيرات المدمرة للعديد من القنوات الإعلامية و التي تزيد في تسميم الأفكار وتعميق حالات الاضطراب.

وكما يتضح من نتائج مختلف البحوث والتقارير ذات المصداقية إقليميا وعالميا ، مثل تقارير الأمم المتحدة، أن المخدرات واحدة من أهم الأسباب التي تدفع إلى الجريمة ، حيث يتضح أن مابين 70 و80  % من حالات الجريمة ناتجة عن تعاطي المخدرات أو الكحول أو تناول مواد لها تأثير نفسي .. فضلا عما يسببه الإدمان من هدر لطاقات الشباب وضياع للأموال وهدر اقتصادي للأسر وللمجتمعات ، لم يعد في حاجة إلى إثبات.

لذلك كان من الطبيعي ،أن تنتبه حكومتنا والحكومات العربية عموما وتعمل مع مختلف الهيآت المعنية والمؤسسات المختصة إقليميا وعالميا ،على محاربة هذه الآفة الجائحة ، بشتى الاستراتيجيات والوسائل وفي مقدمتها برامج الوقاية ، لوقاية الأطفال والشباب وتحصينهم ضد المخدرات. فظهر ما يعرف بالسياسة الوقائية لمواجهة مشكلة تعاطي المخدرات و التي تعني بشكل عام” اتخاذ مجموعة من الإجراءات معتمدة مبدئيا ،علي أسلوب التخطيط العلمي لمواجهة مشكلة متوقعة أو مواجهة مضاعفات مشكلة وقعت فعلا ويكون الهدف هو الحيلولة بشكل كامل أو جزئي، دون  المشكلة التي تقع أو مواجهة المضاعفات التي حدثت أو كليهما معا” .

ويتفق معظم المختصين علي ان السياسة الوقائية تستهدف في العادة أمرين هما:

  • إعاقة العوامل المؤدية إلي التعاطي .
  • تنشيط العوامل المؤدية إلي عدم التعاطي .

وتندرج دراستنا هذه عن “التحصين النفسي للشباب ضد تعاطي المخدرات “ومحاولتنا وضع برنامج عربي متكامل للتحصين ، في هذا الإطار. أي في إطار الجهود الوقائية التي تركز على بذل المستطاع لوقاية الإنسان،  بخلاف جهود العلاج التي تعني قيام المجتمع بتوفير التدابير الخاصة بالعلاج  لمن ينحرف من المواطنين. لكن دون أن نبتعد بالضرورة عن مفهوم المكافحة خاصة في شطره التكويني،والذي يعني تكوين المواطنين الأسوياء وأقوياء الشخصية  و وقايتهم أو علاج من يحتاج منهم إلي علاج بعد إصابته .

لذلك عملنا على تناول الموضوع  من خلال العناوين التالية:

-1 تعريف التحصين النفسي .

-2 مقاصد التحصين النفسي .

-3واقع التحصين النفسي في الوطن العربي .

-4صعوبات وضع برنامج عربي موحد  ومتكامل للتحصين النفسي للشباب.

-5 مؤسسات التنشئة الاجتماعية ودورها في التحصين النفسي :

أو عناصر برنامج عربي متكامل للتحصين النفسي للشباب ضد المخدرات.

– الأسرة ،

– المدرسة ،

– المسجد ،

– السكن،

–  جماعة الأقران،

– وسائل الإعلام.

6 – خطط وإجراءات برنامج التحصين النفسي:

– تقوية الشخصية : ترسيخ مفهوم موجب للذات.

–  تقوية الشخصية  :تربية القيم.

– تقوية اللشخصية بالعمل التربوي الممنهج في المجال المدرسي

–  التدريب المهني وإعداد الشباب للانخراط في سوق الشغل..

– التنشيط الثقافي وملء أوقات الفراغ .

– دور الرياضة.

– برامج التوعية.

– خاتمة .

1–  تعريف التحصين النفسي

في اللغة يقال : حَصُنَ المكانُ حصانةً فهو حصين : أي أحصنه صاحبهُ وحصّنه، وحصّنت القرية : إذا بَنَيتُ حولها ، ودرعٌ حصينٌ: مُحكَمةٌ،فالتحصين هو الوقاية والمنع .

ولئن كان أصل المعنى اللغوي للتحصين يتضمن المنع والكف فما نقصده في بحثنا أعم وأشمل ، حيث يراد به ، تربية الناشئة وتوجيه أفكارهم بطريقة إيجابية ليكونوا بذلك أقوياء ضد مسالك الانحراف و مواكبين في ذات الوقت ، لكل جديد مثمر مفيد مع الاحتفاظ بروح الأصالة والثبات على المبادئ  المستمدة من الإسلام .

كما يراد بالتحصين من حيث برامج العمل، مجموعة الإجراءات والترتيبات التي يُعدّها المسئولون  والتربويون ويوجهونها إلى الناشئة لتعزيز ثباتهم أمام التيارات والظواهر التي قد تزعزع  قيمهم ومبادئهم وتفقدهم ثقتهم في أنفسهم.

وهكذا يتضمن مصطلح التحصين النفسي  الإجراءات والترتيبات التي تستهدف تقوية شخصية الفرد،  الذي أصبح يعيش زخما من المؤثرات السلبية، والذي بات انحرافه خطرا يهدده ويهدد المجتمع بفعل تلك المؤثرات ، وتزدادُ زاويةُ الانحراف اتِّساعًا حين تجدُ شخصية بلا حصانةٍ وفكرًا ضعيفا.

والتحصين النفسي أساسا ، فرع من فروع علم الصحة النفسية ، يهتم بالوقاية من الاضطراب والمرض النفسي، بحيث يترادف إلى حد كبير مفهوم الوقاية بمفهوم التحصين النفسي ، وإن كان الأول أوسع وأشمل يتضمن مجالات كثيرة فضلا عن الجوانب العقلية والنفسية. والوقاية من المرض النفسي  تتضمن بالضرورة معرفة أسباب المرض وإزالتها والعمل على ضبطها والتقليل من آثارها وتهيئة الظروف التي تحقق الصحة النفسية.

ولكي تتحقق لنا الصحة النفسية وبالتالي تجنب الإدمان ، باعتباره مظهرا (وسببا في نفس الآن) من مظاهر المرض النفسي ومن أهم أعراض سوء التوافق و اضطراب الشخصية ، نقول يجب أن نولي اهتمامًا كبيراً لبناء شخصية الشاب منذ طفولته المبكرة و اهتماما بالغًا بتنشئته وتربيته وتعديل سلوكه وتحقيق إنسانيته .

وعادة ما يهتم علم الصحة النفسية بوصف الاضطرابات و أسبابها و عوامل حدوثها وتحليل البيئة المشجعة على زيادة الاضطراب أو تحاشيه .غير أن هذا العلم كثيرا ما يقف عند حد تقديم معارف وصفية ، ولذا فإن التوجيه و الإرشاد النفسي والتحصين النفسي جزء منه ، يبدأ حيث ينتهي علم الصحة النفسية ويشكل جانبه التطبيقي. فيتناول الشخص المضطرب أو القابل للاضطراب بالتشخيص و الوقاية و تدعيمه بشكل يؤدي إلى مقاومته لتلك الاضطرابات ،لذلك فإن مفاهيمنا المتعلقة بالتحصين النفسي مستقاة من هذا العلم كما أن أساليب الوقاية والتحصين  هي أساليب التوجيه والإرشاد النفسي بالأساس.( رمضان محمد القذافي ، 1996 ، الصفحة 18-19).

2- مقاصد التحصين النفسي

يمكن اختصار مقاصد التحصين النفسي وهي في مجملها مستمدة من أهداف التوجيه والإرشاد النفسي ، في الفقرات التالية :

تحقيق التوافق، أي تناول السلوك والبيئة الطبيعية والاجتماعية بالتغيير حتى يحدث توازن بين الفرد ومجتمعه، وهذا التوازن يتضمن إشباع حاجات الفرد في انسجام مع متطلبات المجتمع .

ويجب النظر إلى التوافق النفسي عموما وليس فقط في برامج التحصين ، نظرة متكاملة بحيث يتحقق التوافق المتوازن في كافة مجالاته. ومن مجالات تحقيق التوافق ما يلي:

التوافق الشخصي : أي تحقيق السعادة مع النفس والرضا عنها وإشباع الحاجات العضوية الفطرية والثانوية المكتسبة، ويتضمن كذلك التوافق مع مطالب النمو في مراحله المتتابعة والتوفيق بين دوافعه المتعارضة و توجيه قواه إلى تحقيق حاجاته ومطامحه المعقولة ، مع تقبل جوانب القوة و جوانب الضعف في نفسه، واستغلال قدراته وطاقته .

التوافق الاجتماعي : ويتضمن السعادة مع الآخرين والالتزام بأخلاقيات المجتمع ومسايرة المعايير الاجتماعية وقواعد الضبط الاجتماعي والتفاعل والاندماج السليم والعمل لمصلحة الجماعة وتعديل تراتبية القيم مما يؤدي إلى تحقيق الصحة ، ويدخل ضمن التوافق الاجتماعي التوافق الأسري والتوافق الزواجي.

كما يتطلب التوافق الاجتماعي في البداية توافقا دراسيا ثم مهنيا ، يتضمن الاختيار المناسب للمهنة والاستعداد عمليا لها والشعور بالرضا.

وحتى يحصل التوافق النفسي لدى الشاب ، وهو أول درجات الصحة النفسية وأهم ما يمكن أن نستهدفه في برامج التحصين ، لا بد أن يكتسب الشاب السمات التالية : معرفة النفس ـ الثقة بالنفس ـ ضبط النفس.

معرفة النفس : أي أن يعرف الفرد قدراته وإمكاناته وجوانب القوة والضعف في نفسه، فهذا يجعله يحدد مستوى طموحه وفق حقائق واقعية. إن هذه المعرفة مهمة  لأنها تساعد الفرد على أن يتقبل ذاته بواقعية، فلا يبالغ في إمكاناته ولا يقلل منها. كما تساعد على استثمار تلك الإمكانات إلى أبعد الحدود.

إن حياة الإنسان لا تخلو من نقائص و عيوب  مثل المخاوف و مشاعر القلق وغيرها، والسلوك السليم هو أن يتجنب الفرد التهوين من أمرها، كما يتجنب التهويل منها، وألا يخدع نفسه بإنكارها أو تجاهلها. (سعد الدين العثماني، 2009 ).

الثقة بالنفس، وهي الإحساس بشعور إيجابي نحو الذات وتقديرها واحترامها. والثقة بالنفس تجعل الإنسان يتصرف بشكل طبيعي دون قلق أو رهبة، وتخلو حياته النفسية من التوترات والصراعات الداخلية التي تقترن بمشاعر الذنب والقلق والضيق والنقص والتي كثيرا ما ترتبط بسلوك الانحراف بل كثيرا ما تكون سببا مباشرا في حصوله.

ضبط النفس أو ما يسمى بالاتزان الانفعالي ، وهو اكتساب الفرد القدرة على التحكم في التقلبات المزاجية التي يتعرض لها، والقدرة على إحداث التوافق بين إمكانياته من جهة، وطموحاته من جهة أخرى.

ويتضمن ضبط النفس أيضا قدرة الفرد على عدم السماح للعواطف بأن تأخذ حجما مبالغا فيه في حياته اليومية وفي قراراته وتصرفاته. . ( عبد السلام زهران ،1980 صفحة 37).

كما يتضمن ضبط النفس قدرة الفرد على التحكم في ردود فعله وفي أدائه لما يسمح له باختيار العادات الصحية السليمة سواء منها العضوية أو النفسية.

ويرتبط بتحقيق الصحة النفسية كهدف عام من أهداف التحصين النفسي للشاب ، توجيهه لحل مشكلاته بنفسه، و التعرف على أسباب المشكلات وأعراضها والبحث في إزالة الأسباب  مما يفضي إلى حصول الأمن والراحة ومشاعر الطمأنينة. كما يتضمن الوقاية من الوقوع في الاضطرابات والأمراض النفسية.

هذه إذن المكونات الصحية التي تؤدي إلى النمو السليم لدى الأشخاص والتي يجب إيلاؤها أهمية قصوى في أي برنامج يهدف التحصين النفسي للشباب . برنامج يهتم بالأسوياء قبل اهتمامه بالمرضى ، و يرتبط بأهداف الصحة النفسية والكفيلة إذا تحققت لدى الأطفال والشباب ، من منع الأذى عنهم وتجنيبهم أذى الإدمان.

شكل رقم ( 1 ) : عناصر تحقيق التوافق النفسي باعتباره من أهم مقاصد التحصين النفسي . 

– 3 واقع التحصين النفسي للأطفال وللشباب في المغرب وفي الدول العربية

تقوم الدول العربية عموما ، بإتباع مجموعة من السياسات الوقائية و الإجراءات العلاجية والتدابير الزجرية لمواجهة ظاهرة تعاطي المخدرات والتحكم في العوامل المؤدية إليها . وقد وضعت الأجهزة المختصة هنا وهناك، العديد من البرامج و التدابير للتأثير في سلوك المتعاطين والحد من الطلب ، والبعض الآخر للحد من عرض المواد المخدرة وانتشارها في المجتمع .كما وضعت أساليب ثالثة تمثلت في العقوبات الرادعة وغير ذلك من الأساليب، التي يتخذ بعضها الجانب العلاجي ، والبعض الأخر الجانب الوقائي .

وتنصب هذه الإجراءات عموما في جانبين أساسيين هما :

– السياسات والأساليب التي تؤثر في السلوك العام لكل أفراد المجتمع .

– السياسات والأساليب التي تؤثر في سلوك المتعاطين فقط.

ولكن على الرغم من ذلك ، لم نتمكن من العثور على برنامج متكامل أو إستراتيجية واضحة المعالم ، للتحصين النفسي للشباب في الدول العربية. وكل ما استطعنا الاطلاع عليه هو جملة من الأدبيات قد تكون مصحوبة بإجراءات وتدابير عملية متفرقة حتى لا نقول مشتتة  ،وعلى جملة من خطط الوقاية من تعاطي المخدرات بشكل عام ،موجهة للشباب ولغيرهم من الفئات العمرية .وهي خطط لا يمكن التقليل من أهميتها وإلى حد ما من فعاليتها ،ويمكن ان تشكل في حد ذاتها عناصر مهمة،رغم عدم تركيزها بالضرورة على الجوانب النفسية من شخصية المستهدفين ، عناصر أساسية نستلهمها في إعداد برنامج عربي للتحصين النفسي، على أساس ان هذا البرنامج ينبغي ان يشكل محورا لكل وقاية ممكنة من آفة المخدرات.

بطبيعة الحال لا يمكن تجاهل الكثير من البرامج والاستراتيجيات العربية والتي أولت اهتماما كبيرا لموضوع مكافحة المخدرات وكمثال عنها الجهود التي يقوم بها المغرب في مجال محاربة المخدرات والقضاء على أسباب وجودها من خلال تعبئة كافة الموارد البشرية والمالية واعتماد إستراتيجية متعددة المداخل تقوم على تحقيق التنمية البديلة في المناطق التي تنتشر فيها زراعة النباتات المخدرة ( القنب الهندي او ما يعرف في المغرب بالكيف ومشتقاته ).

– وتستند هذه الجهود على مقاربة شمولية ومندمجة لمكافحة المخدرات وخلق تنمية بديلة – اعتمد المغرب سنة 2004  الإستراتيجية الوطنية لمكافحة المخدرات وهي مقاربة شمولية ومندمجة لمكافحة المخدرات وخلق تنمية بديلة.

وتروم هذه الإستراتيجية بالأساس تشديد الخناق على شبكات تهريب المخدرات من خلال تعبئة جميع الفاعلين وتعزيز التعاون الدولي, وتوظيف التكنولوجيات الحديثة على مستوى مراقبة النقط الحدودية.

– هذا وقد قوبلت مقاربة المغرب في مجال محاربة المخدرات بترحيب دولي – كما حظيت الإستراتيجية الوطنية لمكافحة المخدرات بتنويه دولي بالنظر للنتائج الإيجابية التي حققتها. وهكذا، أكد تقرير لكتابة الدولة في الخارجية الأمريكية أن الإستراتيجية الشاملة لمكافحة المخدرات التي اعتمدتها الحكومة المغربية مكنت من تحقيق انخفاض “ملموس” في إنتاج القنب الهندي خلال السنوات الأخيرة.

وأبرز التقرير أن هذه الإستراتيجية التي أحرز بفضلها المغرب تقدما هاما في مجال مكافحة ترويج المخدرات، تجمع بين جهود دعم القوانين السارية، والقضاء على زراعات القنب الهندي، وتقليص الطلب، وتحقيق التنمية الاقتصادية.

وتعززت الإستراتيجية الوطنية لمكافحة المخدرات، يضيف التقرير، بمقاربة أوسع للتنمية الاقتصادية والزراعات البديلة التي أعطت ثمارها بالمغرب. وأضاف أن الحكومة ومختلف الوكالات والوزارات الأمريكية المختصة تواصل التعاون مع المملكة المغربية من أجل تعزيز قدراتها في مجال مكافحة المخدرات وخاصة من خلال تبادل الخبرات والمعلومات والتكوين.

كما أكد عمر زنيبر السفير الممثل الدائم للمغرب لدى المنظمات الدولية في فيينا، ، أن تعزيز التعاون الإقليمي والدولي يشكل عنصرا حيويا وأساسيا في مجال مكافحة المخدرات. كما تطرق ، في تدخل له أمام الدورة ال53 للجنة مكافحة المخدرات التي انعقدت بالسنة المنصرمة (2010 مارس) بفيينا حول موضوع «التعاون الإقليمي والدولي» ، إلى انضمام المغرب لمركز تنسيق مكافحة المخدرات بالحوض الغربي للمتوسط، وتعيين ضابط اتصال على مستوى هذا المركز وانضمام المغرب كعضو ملاحظ لمركز تحليل وتنسيق عمليات التهريب البحري للمخدرات.

كما أكد السيد زنيبر الالتزام الثابت للمغرب إزاء المبادئ المدرجة في الإعلان السياسي وفي خطة عمله حول التعاون الدولي من أجل وضع إستراتيجية مندمجة ومتوازنة لمكافحة مشكل المخدرات العالمي، التي تمت المصادقة عليها خلال الاجتماع الوزاري للدورة ال52 للجنة مكافحة المخدرات في2009 ( عن جريدة العلم – عدد 11-03- 2010).

ومما لاشك فيه أن المكاسب الهامة التي حققها المغرب في مجال مكافحة المخدرات ستكون لها انعكاسات إيجابية على النسيج الاجتماعي والاقتصادي وستساهم في تحصين الأجيال الصاعدة من السقوط في براثين الإدمان  ،رغم أن الطريق ما يزال طويلا والهدف ما يزال بعيدا.

كما لا يمكن تجاهل العديد من البرامج والاستراتيجيات العربية  الأخرى والتي أولت اهتماما كبيرا لموضوع الوقاية وللسياسة الوقائية بمفهومها الشامل ، ولعل أشهرها وأحدثها ،                ” الإستراتيجية الوطنية لمكافحة المخدرات والمؤثرات العقلية” ” والمقدمة من لجنة الشؤون الأمنية في مجلس الشورى  بالسعودية سنة 2007.

تضمنت هذه الإستراتيجية ست غايات عامة، لكل منها أهداف خاصة وآليات للتنفيذ وهذه الغايات هي:

الغاية الأولى: تحديد أنواع التعاطي في السعودية وخصائصه وأسبابه.

الغاية الثانية: جمع ودراسة الأنظمة والاتفاقيات وقرارات مجلس الوزراء ، المتعلقة بمكافحة المخدرات والمؤثرات العقلية.

الغاية الثالثة: تطوير الخطط الوقائية.

الغاية الرابعة: تطوير الخطط والبرامج العلاجية الحالية.

الغاية الخامسة: تفعيل وتطوير خطط وبرامج التأهيل وإعادة الدمج.

الغاية السادسة: تطوير وسائل المكافحة.

وفي سياق هذه الاستراتيجية قامت اللجنة الوطنية لمكافحة المخدرات بالسعودية، بوضع مشروع وطني لاستثمار البيئة التربوية في تحصين الطلاب ضد آفة المخدرات تحت شعار(المدرسة تحمي المجتمع).وهو مشروع وطني شامل بالتعليم الوقائي، نظرا لأهمية المدرسة في بناء الشخصية وتنمية مكونات الفكر لدى الفئة الأكثر تعرضاً لخطر المخدرات. ويرتكز على مبدأ تغيير اتجاه الطلاب نحو السلوك الرافض للمخدرات من خلال الاهتمام بالبيئة التعليمية المتكاملة وإدراج مفاهيم ومفردات تعليمية لتوعية الطلاب بأضرار المخدرات في مراحل التعليم العام والتعليم الجامعي، وإعداد برامج وحقائب تدريبية لتأهيل فرق عمل فاعلة في برامج التوعية الوقائية. كما يعتمد برنامج التعليم الوقائي على تعزيز قيم ومبادئ ذات أبعاد دينية ووطنية واجتماعية تهدف إلى بناء منظومة سلوكية لتنمية الرادع الذاتي لدى الطلاب والطالبات.

وقد انطلقت اللجنة الوطنية لمكافحة المخدرات منذ عدة سنوات ممثلة بأمانتها العامة في هذا الجانب من خلال مشروع المدرسة تحمي المجتمع وتتمثل رسالة المشروع في استثمار البيئة التربوية لزيادة مناعة الطلاب في مكافحة المخدرات، وتعميق وعيهم بأخطارها، وإشراك كل الأطراف التربوية في البحث عن السبل الناجعة لحماية المجتمع بكل شرائحه من آفة المخدّرات، وتعزيز دور المدرسة كونها مركزاً تربوياً يسهم في تنمية المجتمع وحمايته من كل ما من شأنه عرقلة مسيرة التنمية والتطوير فيه. .

وقد سعى هذا المشروع إلى تصميم برامج وحقائب تدريبية لكل من المعلمين و الإداريين والمرشدين الطلابيين، وأولياء الأمور، بغرض توعيتهم وتدريبهم على استخدام منتجات المشروع وتحقيق أهدافه كما تهدف تلك الحقائب إلى إعداد كوادر تدريبية للتوعية بأضرار المخدرات وطرق مكافحتها في المجتمعات التعليمية (عن جريدة الرياض ، الجمعة 27 ذي الحجة 1431 هـ – 3 ديسمبر 2010م – العدد 15502)

*   *   *

على أن مثل هذه الاستراتيجيات والمشاريع، كثيرا ما تعترضها صعوبات التنفيذ وصعوبات التنسيق بين مختلف الجهات المسئولة عن موضوع مكافحة المخدرات وإيجاد التمويل الكافي لإخراجها حيز الوجود. فتتحول إلى ملفات منسية في الرفوف مثلها مثل توصيات الكثير من المؤتمرات و البحوث الأكاديمية. وقد حددنا جملة من الصعوبات التي يمكن أن تعترض أي طموح لوضع برنامج عربي شامل ومتكامل للتحصين النفسي للشباب،نستعرضها في الفقرات القادمة .

4 – صعوبات وضع برنامج متكامل للتحصين النفسي لحماية الشباب  من المخدرات

السلوك ألانحرافي لدى الشباب وخاصة سلوك الإدمان على المخدرات ، أضحى بفعل تكالب العديد من المتغيرات ،ظاهرة اجتماعية ليس من اليسير القضاء عليها . لذلك  فإن مسألة التحكم في هذه المتغيرات ليس بالأمر الهين،وبالتالي فإن وضع برنامج أو إستراتيجية للتحصين  وتنفيذها ،هي أكثر صعوبة لعدة أسباب يمكن إيجازها كما يلي:

1- عدم حضور علم النفس وانتشاره في مجتمعاتنا العربية وضعف الوعي بأهمية المقاربة السيكولوجية في مختلف مناحي الحياة. فحتى عندما تتحدث على سبيل المثال الإستراتيجية الوطنية السعودية لمكافحة المخدرات  السالفة الذكر ،عن الجوانب النفسية لمشكلة التعاطي وعن الأسباب النفسية والشخصية وتتحدث في الغاية الخامسة عن العلاج النفسي…فإن ذلك يبقى غير كاف في نظرنا ، خاصة عندما نلاحظ تغييبا شبه كامل للعناية بموضوع التحصين النفسي بمناسبة استعراض هذه الإستراتيجية لأساليب الوقاية وإجراءاتها في الغاية الثالثة .

إن غياب الإيمان بالخطاب النفسي العلمي والتربوي وما يرتبط به من مؤسسات وممارسات، واقع لا مجال لنكرانه في بلداننا العربية. إن غياب هذا الإيمان ، الذي لابد منه لبناء نفسية سليمة للإنسان العربي وما رافقه من تراجع في أدوار مؤسسات التنشئة الاجتماعية الأصيلة، أدى إلى خلل في التكوين العقلي و البعد النفسي الوجداني وقوة الإرادة لدى أطفالنا ، مما جعلهم ينمون كبالغين مفتقدين للبعد الوجداني الفعال اللازم لتحريك الطاقة ، وبذل الجهد ، وتوفير الأداء الايجابي  ( الإرادة ) الذي يعد شرطا ضروريا لتحصينهم و إقدارهم على التصدي للتحديات التي تواجههم وتواجه المجتمع.

ذلك الغياب الذي يصفه  صلاح عبد السميع عبد الرازق، ” بالبناء النفسي والوجداني للطفل: البعد الغائب في مناهج التعليم بالعالم العربي “، في تقديمه لأشغال المؤتمر العلمي بعنوان    ( التربية الوجدانية للطفل ) المنعقد في القاهرة من 8 إلى 9 أبريل 2006.

-2 من الصعب تحديد فترة الشباب فهي غير مدركة لدى المختصين ، على المستوى النفسي والبيولوجي والعقلي والاجتماعي، كما هو الحال بالنسبة لمرحلة الطفولة أو المراهقة. فضلا عن كون التحصين النفسي والذي يروم تقوية شخصية الشاب و تمنيعه ضد الإدمان ، ينبغي أن يبدأ في سن مبكرة منذ الطفولة الأولى.

– -3 الأمر الثالث في هذه المسالة ، يتعلق عموما بالمقاربات المعتمدة على المستوى العلمي. فلكل مدرسة من مدارس علم النفس وعلم الصحة النفسية وعلم الإجرام ، تصوراته في تفسير الشخصيات المضطربة و السلوكيات المنحرفة، والأسباب المؤدية لها وأساليب المعالجة… وقد ظهرت هذه المدارس ولكل منها مبرراتها ونماذجها وأساليبها العلمية. وسبب ذلك التعدد هو أن ظاهرة الإدمان على المخدرات مرتبطة بالإنسان بغض النظر عن فئته العمرية أو جنسه. و الإنسان سريع التأثر بالكثير من معطيات البيئة المحيطة، وبالتالي لا يكون من السهل التنبؤ بتصرفاته بعيدا عن بنيته البيولوجية والنفسية والثقافية.مما يعقد كل محاولة لوضع برنامج شامل للوقاية والتحصين النفسي ، برنامج واقعي قابل للتطبيق.

-4- أدى هذا الوضع ، إلى عدم وجود مقاربة واحدة يمكن الركون إليها بثقة في تفسير السلوك المنحرف عامة ولدى الشباب خاصة والتعامل معه في ضوء هذه المقاربة خاصة مع تعدد وضعيات الشباب واختلافها من مجتمع عربي لآخر.

و لربما بسبب هذه الصعوبة وجدت مقاربة” تعدد العوامل ” ، ومنهجية” تعدد مجالات التدخل”،  والتي نتبناها في هذه الدراسة ،صدى لها أو حظيت على الأقل باهتمام أكبر من غيرها.وهي المقاربة التي يمكن استخدامها لحد الآن  ، في تحديد أهم ما يمكن اقتراحه من أجل صياغة سياسة وقائية للتحصين ضد تعاطي المخدرات والإدمان عليها وغيرها من السلوكيات المنحرفة.

5– وأخيرا، يصعب الحديث عن أية مقاربة تحصينية وعن أية سياسة وقائية أو علاجية لهذه الظاهرة النفسية- الاجتماعية الخطيرة، في غياب الإقدام على إصلاحات سياسية واقتصادية واجتماعية شاملة وصياغة مشاريع قادرة على مواجهة العولمة المتوحشة ؛ ورسم إصلاحات قادرة على توحيد الجهود واستثمار الطاقات وتمكينها من إنجاز قراءة جديدة لرسالة المجتمع وتوظيفها في تنشئة الأفراد وتأهيلهم وتفعيل إمكانياتهم ر للاندماج في المجتمع والمساهمة في تطويره . وهذا من مسؤوليات الحكومات و مؤسسات التربية و التنشئة الاجتماعية على وجه الخصوص وهي :الأسرة والمدرسة والمسجد والإعلام والإدارة والأمن والقضاء و فضاءات الوقت الحر والترفيه والتثقيف والرياضة… والتي سنفصل الحديث عن أهمها في العناوين اللاحقة.

5 – مؤسسات التنشئة الاجتماعية ودورها في التحصين النفسي

عناصر بناء برنامج متكامل  للتحصين النفسي للشباب ضد المخدرات

التنشئة الاجتماعية هي العملية التي يتم من خلالها نقل تراث المجتمع إلي الفرد و تمكينه من المشاركة في حياة المجتمع والتفاعل مع أعضائه .وهي عملية أساسية في حياة الفرد يتم من خلالها تحويله من كائن بيولوجي إلي كائن اجتماعي و إلى مواطن له أدواره ومكانته ،يحمل قيم و معايير المجتمع ولغته .

وهكذا ومن خلال هذا التعريف ، تتضمن التنشئة الاجتماعية  العناصر الضرورية لحصول التحصين النفسي  للمواطن والذي يصبح منطلقا وهدفا للعملية برمتها .على أن التحصين النفسي  وظيفة معقدة تنهل مثلها مثل التنشئة الاجتماعية ، من روافد متعددة ومن تأثيرات متنوعة من خارج إطارات الأسرة والمدرسة ومكملة لوظيفتهما. روافد متشعبة، تؤطر الحياة اليومية لأبنائنا : من إعلام ووسائط مرئية ومسموعة ومكتوبة  ونوادي وجمعيات ودور الشباب و مساجد ومراكز ومقاهي للاتصال و الأنترنيت ومراكز لتعلم اللغات الأجنبية…

كما يعتبر الشارع فضاء شاسعا لتفاعلات الأفراد، لكونه يشكل المجال النفسحركي و الانفعالي والاجتماعي الذي تتم فيه عملية التنشئة ، ضمن علاقة الفرد بجماعات مختلفة تؤثر فيه ويتفاعل معها كالأصدقاء والأقران… الخ  ،وهو بدوره يمكن ان يكون مجالا للتحصين أو على العكس مجالا لانتشار ظواهر الانحراف. (الجوير إبراهيم، 1419).

ستشكل هذه العناصر المتشابكة والشديدة التعقيد ، في إطار مشروع برنامجنا العربي للتحصين،محاور لبيان كيف يمكن أن تؤدي التنشئة الاجتماعية دورها في التحصين النفسي للشباب ضد المخدرات.

أولا:الأسرة:

التنشئة الاجتماعية والتي تشكل مجالا نفسيا – اجتماعيا هاما في برنامجنا للتحصين النفسي للشباب،هي كما أسلفنا ، مسؤولية مشتركة للعديد من المؤسسات .لان الفرد في أي مجتمع له عدة من العلاقات والتفاعلات ، فهو أحد أعضاء أسرة وهو تلميذ في مدرسة وعضو في نادي أو جمعية وعامل لمصنع ومشاهد للتلفزيون… ومن الطبيعي أن يتأثر ويتعلم نتيجة انتمائه لهذه المؤسسات وارتيادها.

والأسرة هي أول مؤثر في الفرد لكونه يعيش مراحل حياته الأولى فيها. وهي أهم وأقوى الجماعات الأولية تأثيرا في التنشئة الاجتماعية للطفل،والتي تعمل على تشكيل سلوكه الاجتماعي وبناء شخصيته.فالأسرة هي التي تهذبه وتجعل سلوكه مقبولا اجتماعيا،وهي التي تغرس في نفسه القيم والاتجاهات التي يرتضيها المجتمع ويتقبلها. ( حدية المصطفى، 2006) 

 وعادة ما تنشط الأسرة من خلال متغيرات تؤثر في تربية الطفل ، كنوع العلاقة بين الوالدين واتجاهاتهما نحو الطفل وأسلوبهما في العناية به وتربيته والعلاقة بين الإخوة والمكانة الاجتماعية للأسرة ومستواها التعليمي والثقافي … (ناصر ثابت، 1992 ).

ويؤكد إبراهيم الجوير (1419) ما يتفق عليه كل الباحثين في هذا المجال ، بأن بنية الأسرة وطبيعة العلاقات السائدة داخلها ، عامل أساسي في تحديد  نمط التنشئة الاجتماعية، كعلاقة الأب والأم ( انسجام ، طلاق ، تفاوت …) علاقة الوالدين بالأبناء (مستبدة ، قاسية ، متفتحة، مرنة …) علاقة الإخوة فيما بينهم (ودية، عدوانية ، نفور، كراهية …) . كما أن علاقة الأسرة بالعالم الخارجي لها أثرها الكبير في التنشئة ، وكذلك الأنماط الثقافية والمعرفية و التقاليد والطقوس السائدة داخل الأسرة.

 و نحن نعتقد أن أساليب التنشئة السائدة مبدئيا  في الأسر”السليمة” ، والتي يجب إبلاؤها العناية الكافية في أي برنامج تحصيني ، تقوم عل العديد من الأساليب التربوية ، من أهمها :

الملاحظة والتقليد والمشاركة : حيث الطفل يلاحظ سلوك الكبار ثم يحاول تقليده .فنري الطفل يلاحظ سلوك أبيه وهو يصلي ثم يقلده والطفلة تلاعب دميتها وتوجه لها النصح و الإرشاد مثل أمها .

القدوة : الكبار عموما في الأسرة وبصفة خاصة الوالدين ،يشكلون قدوة بالنسبة للطفل فالسلوك الذي يقوم به كل منهم يعد نموذجا يقتدي به و يتمثلة في شخصيته.لذلك ينبغ ان يتجنب هؤلاء كل الأفعال  السلوكية غير اللائقة والتي يمكن ان تؤثر سلبا فيه.

الثواب والعقاب  : استخدام الثواب والعقاب وخاصة الثواب ، له أهمية كبيرة في عملية التنشئة الاجتماعية لأنه يساعد على تنمية أنماط سلوكية مرغوب فيها ومحو أنماط سلوكية أخري غير مرغوب فيها .

الاستجابة لتساؤلات الطفل : الطفل بطبعه محب للاستطلاع وتواق لاكتشاف البيئة المحيطة به ، فيطرح عددا كبيرا من التساؤلات على الآباء وأفراد الأسرة ، حول البيئة المحيطة به والظواهر الطبيعية وغيرها، وتكون الأسرة هي المصدر الأول لهذه المعلومات ،لذا يجب أن تؤخذ تساؤلات الطفل مأخذ الجد وأن يتاح لها الوقت الكافي للرد بوضوح.

الوضعيات المربية : يتعمد أولياء الأطفال عادة وخاصة في الأوساط المتعلمة ، تصميم مواقف ووضعيات معينة يقصدون منها توصيل معلومات و غرس اتجاهات وقيم وأنماط سلوكية معينة كأن يهيأ الأب موقفا (وضعية )لتعليم ابنه أهمية الصدق أو العدل مثلا .

ومن بين الأساليب التي عادة ما تسود في الأوساط الأسرية المستنيرة والتي تساهم في خلق شخصية سوية ومحصنة ضد مختلف أشكال الانحراف، و تساعد في التنشئة الاجتماعية الإيجابية  للفرد  ، نذكر: “سيادة جو الطمأنينة والشعور بالنجاح وتحقيق إشباع العطف والتقدير داخل الأسرة والتوجيه والإرشاد المصحوب بالحزم وإشاعة جو الحرية والمشورة والتفاهم والحوار و تعليم الأطفال الحياة الاجتماعية داخل الأسرة ...” (شكور جليل وديع، 1998).

وما ينبغي التأكيد عليه أن التنشئة الاجتماعية في المنظور الإسلامي السائد في الدول العربية والذي نعتبره أصلا من أصول برنامجنا التحصيني، تحتل فيها الأسرة المتضامنة مكانتها المرموقة. ففي الأسرة المسلمة ينبغي أن تنتظم العلاقات الاجتماعية على أساس من التعاطف والتآزر والانضباط والغيرية، سلوكاً وعملاً .بما يكفل للجميع حياة تسودها المحبة وخالية من الأخطار. فتتوزع المسؤوليات بين الآباء والأمهات والإخوة والأخوات، بما يكفل التربية الصالحة ،قال تعالى: “ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون ” (الروم21 )، “ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا حملته أمه كرها ووضعته كرها وحمله وفصاله ثلاثون شهرا ” (الأحقاف: 15)، “والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر” (التوبة: 71).

و ما نود التأكيد عليه كذلك ، حسب سيدي أحمد لمساوري (2008) ، هو ضرورة أن يشعر الآباء والأمهات أبناءهم ، أنهم يعيشون في محبة وهذا يتطلب تربية منسجمة. فالعلاقات المتوترة وعدم التفاهم وانعدام الاحترام المتبادل والمشاجرات اليومية ، تفزع الطفل والمراهق وتجعلهما في حيرة وقلق وفي وضعية الهشاشة والقابلية للانحراف. فتعرض الأبناء للقسوة المفرطة على سبيل المثال ، يجعلهم يتمردون على سلطة الوالدين وعلى سلطة المجتمع ، مما قد يعرضهم للانحراف.

إن اضطرابات السلوك التي يعاني منها الشاب ، في معظمها رد فعل لما يعانيه منذ أن كان طفلا في بيئته وخاصة مع والديه ، كحرمانه منهما أو عدائهما له، أو حرمانه من إشباع مطالبه ونبذه وتكليفه بمهام فوق طاقته … فيلجأ إلى أنواع من السلوك تتلخص في محاولة التغلب على حرمانه وقد يكون تعاطي المخدرات والإدمان عليها ، نمطا من أنماط هذا السلوك أو رد فعل لاشعوري ضد مشاعر الحرمان و الإحباط.

ولعل حالة التصدع والتفكك الأسري وما ينتج عنها من مضار على الأبناء خير مثال لنا عن تفسير السلوك المنحرف الذي يسقط فيه هؤلاء وفي مقدمته السلوك الهروبي الذي يلجأ صاحبه إلى تعاطي المخدرات بجميع أشكالها .

ويمكن الإشارة إلى بعض الدراسات التي أثبتت العلاقة الدالة بين التفكك الأسري واضطراب الروابط داخل الأسرة وبين سلوك الانحراف بل واضطرابات الشخصية بشكل عام .

ففي دراسة للمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية بمصر حول : (السرقة عند الأحداث) على سبيل المثال ، تبين ارتفاع نسبة حالات الطلاق بين والدي الأطفال والناشئين أصحاب هذا السلوك المنحرف. وذلك بنسبة تتراوح بين 10.7% و 11% في حين أن النسبة العامة للطلاق في مصر في ذات العام بلغت 2.3% في الألف من السكان.

وتوصلت دراسة دولية شملت 18375 فتاة ذات تصرف منحرف تنحدر من 25 دولة، اتضح أن 15104 منهن ينتمين إلى عائلات مضطربة غير مستقرة أي بنسبة 81.78%.(عن عبد الله أبو أيــاد العلــوي- الرباط ، .( 2009

من خلال ما تقدم يتبين مدى أهمية الأسرة في حياة الفرد والمجتمع ومدى أهمية صيانتها ضد الحاجة و الأمية وتحصينها من التفكك ، بتوفير الرعاية الصحية النفسية والجسمية والاجتماعية وتعويدها على قيم التواصل والتفاعل الايجابي والتعاون والتضامن،  ومن هنا ضرورة العمل على تعبئة كل الجهات المسؤولة و المؤسسات المجتمعية الأخرى  في خدمتها،  من أجل قيامها بدورها التربوي على أحسن وجه  وتربية أفراد محصنين ضد كل أشكال الانحراف وضد مختلف أنواع الإدمان.

إن الأسرة بإمكانها أن تحصن المجتمع – والشباب ركن أساسي فيه – ضد الانحراف . لكن ذلك لا يستقيم دون دعم مادي ومعنوي من جميع الجهات الرسمية (الوزارات المعنية بشؤون الأسرة …) والجمعوية … دعم يساهم في الرفع من مستواها الاقتصادي والتعليمي وتمكينها من آليات أداء مهام التكوين والتحصين.  فلا يمكن التوقع من أسرة غير مطمئنة على قوتها اليومي وسكنها والمفتقرة للحد الأدنى من التأهيل التعليمي والثقافي ،أسرة جاهلة بأمور التربية وأساسياتها ، نقول لا يمكن لهذه الأسرة أن تقدم نموذج المواطن الأمثل لأبنائها.

شكل رقم (2): خطاطة بعناصر مشروعنا لوضع برنامج متكامل

للتحصين النفسي للأطفال والشباب ضد المخدرات والسلوك المنحرف والعدواني

ثانيا: المدرسة:

 المدرسة إلى جانب الأسرة ، إحدى أهم مؤسسات التنشئة الاجتماعية ، حيث تعمل على تلقين   المعرفة ونقل الثقافة من جيل إلى جيل و تسعى إلى تحقيق نمو التلميذ جسميا وعقليا ووجدانيا واجتماعيا، وتربيته على الكفايات والمعايير والاتجاهات والقيم ، التي يحتاجها سوق العمل و يرتضيها المجتمع و إعداده بشكل يؤهله ليندمج .

و المدرسة في عالمنا العربي مؤسسة اجتماعية طارئة ،  أنشئت لتحقيق الأهداف المرغوبة على المستوى الاجتماعي، وتتركز رسالتها في تحقيق التربية السليمة  ، بأسسها الفكرية والعقدية والتشريعية وتنمية مواهب النشء وقدراته، وتتلخص وظائفها في نقل التراث الثقافي ومنح الهوية الثقافية تماسكًا وانسجامًا، وقيادة التغيير المنفتح نحو الأفضل.

( البكر فوزيه، 2005).

مهمة المدرسة إذن ، مكمّلة لوظيفة الأسرة، بعملها على تنمية الاتجاهات والقيم المرغوبة التي تكونت أصلاً في البيت. فمن خلال الدروس والواجبات ومن خلال حصص التعليم  وبرامجه وما يوازيها من أنشطة تربوية،والانخراط في العمل الجماعي سواء في الأقسام أو داخل الأندية التربوية وحصص التربية البدنية والتدبير الذاتي لجماعة التلاميذ…يتعلم التلميذ احترام القوانين والحق والواجب والمسؤولية…ثم إن المدرسة بانفتاحها على محيطها الاجتماعي وبتوفيرها الإمكانيات والوسائل التربوية والمادية والتجهيزية الضرورية (أطر مؤهلة ،مكتبات،أندية،وسائل تعليمية ، ملاعب …)؛تساهم بقدر وفير في إشباع حاجيات المتعلم النفسية والاجتماعية والمعرفية.

كما يتعاظم دور المدرسة من خلال مساهمتها المبدئية في الحماية ضد السلوك المنحرف ، على اعتبارها المكان الأول الذي تسجل  فيه علامات الاضطراب الأولى في نمو الطفل وصعوبات التكيف التي لا يتم في العادة اكتشافها في الأسرة. ولهذا كان لما يتخذ من إجراءات في معالجة الطفل الذي يعاني نوعا من صعوبات التوافق في حياته الأسرية والمدرسية ، أهمية مباشرة في تحصينه ضد التصرفات المنحرفة… فللمدرسة أهمية بالغة في تهيئ الإمكانات ذات الآثار البناءة  في إحداث التطور الإيجابي في سلوكيات روادها وبناء شخصياتهم، من خلال اعتماد أساليب تمكنهم من اكتساب طرق حل المشكلات والتعلم الاستكشافي والتعلم التعاوني…  و تطوير الميول والاتجاهات والجوانب المهاراتية ، فضلا بطبيعة الحال ،على إغناء حصيلتهم المعرفية واكسابهم الكفايات الضرورية والقدرات والعدة الملائمة لتطبيقها في وضعيات حياتهم اليومية والمهنية . إنها المدرسة ذات الإدارة الحازمة والمحترفة وصاحبة الرؤية والأهداف الواضحة.

لذلك يكون من الضروري أن توفر الدولة  جميع احتياجات المدرسة من مباني ملائمة وربطها بشبكة الماء والكهرباء وبشبكة الانترنيت وتجهيزها بالكتب والأدوات التعليمية والحواسب… وتوفير البيئة المدرسية الآمنة و البناءة والخالية من أسباب الاحتقان والصراع  وتأهيل الإدارة الكفيلة بالرفع من الدفاعية لدى المدرسين وعموم العاملين بالمدرسة وتوظيف التكنولوجيا في التدبير الإداري وتشجيع العمل الجماعي واستثمار كل المبادرات واستخدام كل الأدوات المتاحة لتحسين أدائها مما ينعكس إيجابا على تعلم روادها .

من خلال ما تقدم يتضح أن المدرسة ذات أهمية كبرى في حياة الطفل والجماعة. وأن السلوك ألانحرافي لدى الأطفال والمراهقين يتوقف على أسلوب تعاملها مع إمكانياتهم الجسمية والذهنية والانفعالية،  وعلى نوع المعاملة التي يتلقونها داخل المدرسة بدرجة كبيرة. فالفشل الذي قد يلحق بالطفل أو المراهق بسبب قصور يعانيه، سواء كان هذا القصور عقليا أو جسميا أو نتيجة لعدم التوافق المطلوب مع العملية التعليمية ، أو نتيجة لمخالطة أنداد يعانون من نفس الصعوبات، قد يؤدي بهم إلى اختيار آليات دفاعية للتخلص من تلك الصعوبات، من مثل الهروب من المدرسة، وإبداء ردود فعل مضادة للمجتمع واللجوء إلى العنف، نتيجة هيمنة الإحساس بالنقص ، والذي قد تكون أسبابه بالإضافة إلى الأسباب المؤسسية السالفة الذكر، عضوية كضعف البصر أو نقص في السمع أو تلعثم في اللسان… وقد تكون الأسباب نفسية كالخوف أو العناد أو الاكتئاب. وقد تكون اجتماعية أو مادية كعدم قدرة التلميذ على الاستفادة من الدروس الخصوصية نظرا للفقر المادي للأبوين… وهذه أهم العوامل التي يمكن أن تؤدي بالعديد من التلاميذ حسب دراسات ميدانية، إلى التخلف الدراسي ومغادرة المدرسة والتعرض للانحراف ، في حال فشل المؤسسات الأخرى في تكوينهم مهنيا وإدماجهم. (حصة عبد الكريم يوسف 1997 ).

ففي دراسة استطلاعية أنجزها عبد الله أبو أيــاد العلــوي(الرباط ، ( 2009 ، شملت الأطفال والمراهقين نزلاء بعض المؤسسات الإصلاحية بالمغرب على سبيل المثال، بدت وبشكل معبر، الصلة بين الفشل الدراسي والسقوط في السلوك المنحرف. كما أظهرت هذه الدراسة نسبة كبيرة تصل إلى أزيد من 88% من هؤلاء الراسبين ،عبروا عن الكراهية للمدرسة وللمعلمين ، مع الرفض أو اللامبالاة لكل اقتراح يرمي إلى عودتهم إليها أو الاستمرار في التعليم .

أما في مصر فقد أظهرت دراسة لقسم بحوث الجريمة للمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية (القاهرة (2001 ، حول التصرفات المنحرفة لدى الأطفال والمراهقين، بأن الفشل الدراسي يظهر واضحا لدى هؤلاء في سن مبكرة ، فنسبة 62% من المبحوثين سبق لهم الرسوب أكثر من مرة في المدرسة ، و28.3% منهم لم يتعدوا المرحلة الابتدائية.

وفي لبنان أظهرت دراسة حول المستوى التعليمي للأطفال والمراهقين المحالين على المحاكم برسم سنة 2000 ، أن نسبة  47.9%  منهم ، لا يزيد مستواهم عن التعليم الابتدائي، أما الأميون فتزيد نسبتهم عن 52%.. (عن عبد الله أبو أيــاد العلــوي- الرباط ، .( 2009

على ان المدرسة قد تتحول بدورها ، إلى وكر للاتجار في المخدرات واستهلاكها بدلا من أن تكون مكانا للتحصين وتقويم السلوك.فقد أشارت  على سبيل المثال ،آخر الإحصائيات في المغرب وعموم الدول المغاربية  ،إلى ارتفاع نسبة التدخين وتعاطي المخدرات في صفوف فئة المراهقين، وارتفاع نسبة بيعها واستهلاكها بين التلاميذ في فضاءات المؤسسات التعليمية… وهو ما بات يشكل تهديدا حقيقيا لصحة وعقول التلاميذ في مختلف المراحل الدراسية ويشكل هما يقض مضجع المسئولين عن هذا القطاع الشديد الحيوية .  ففي حوار مع فؤاد مدكري نشر بموقع الرابطة المحمدية للعلماء يوم 01-07-2010 ،صرح أن وزارة التربية الوطنية ، تعتبر ترويج المخدرات بمحيط المؤسسات التربوية واستدراج التلاميذ للتعاطي من الظواهر الخطيرة؛ والشائنة ، تمس بحرمة المؤسسات التعليمية ولها أضرار وخيمة على المتعلمين في جميع المستويات: النفسية والصحية والاجتماعية والعقلية، لذلك يتعين التصدي لها بمختلف الأشكال والسياق الممكنة.

وبالفعل ، قامت وزارة التربية الوطنية المغربية للحد من انتشار ترويج المخدرات بمحيط المؤسسة التعليمية، بالتنسيق مع وزارة الداخلية في هذا المجال، وذلك من خلال إصدار دورية مشتركة بتاريخ 20 سبتمبر 2006، تتضمن العديد من المقتضيات الصارمة لتعزيز حماية المحيط المباشر للمؤسسات التعليمية، ثم قامت بعض الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين بالتعاقد مع شركات متخصصة لحراسة المؤسسات التربوية وحمايتها. وبمناسبة تقديم البرنامج ألاستعجالي لإصلاح التعليم ، وقعت هذه الوزارة عدة اتفاقيات مع مجموعة من القطاعات الحكومية فضلا عن وزارة الداخلية ، ركزت على ضمان الأمن المدرسي وحماية محيط المؤسسات.(عن منتدى “حوار حي “، موقع الرابطة المحمدية للعلماء  .(2010-01-07

إن هذه الأمثلة رغم محدوديتها ، تبرز أهمية الوظيفة التأهيلية والوقائية (التحصينية ) للمدرسة، على اعتبار أنها مع الأسرة ، من أهم المؤسسات التي ينبغي أن يطبق فيها برنامج التحصين النفسي للشباب ضد المخدرات  ومن أكثرها انتظاما وموضوعية. وتحتاج العملية التربوية – التعليمية في المدارس وداخل الأقسام (الفصول) ،إلى تحسين قائم على تحقيق جو نفسي صحي و احترام التلميذ كفرد وكعضو في جماعة القسم ؛ بما يتيح فرص نمو شخصيته من كافة جوانبها بشكل سليم ويحقق جودة العملية التعليمية. ولتحقيق كل ذلك نقترح توجيه الاهتمام إلى ما يلي:

*   إثارة الدافعية وتشجيع الرغبة في التحصيل واستخدام الثواب والتعزيز بدل العقاب والتأنيب ، وجعل من الخبرة التربوية التي يعيشها التلاميذ في وضعيات حياتهم اليومية وضعيات/إشكالية تصلح كنماذج لترسيخ التعلمات لديهم.. مما يمكن أكبر عدد منهم من التفوق ويجنبهم الرسوب الدراسي وما يصاحبه من مشاعر الفشل ومن تكرار للأقسام والانقطاع المبكر عن الدراسة (الهدر المدرسي)، والذي عادة ما يرتبط كما أسلفنا بظواهر الانحراف.

* العناية بالفروق الفردية وأهمية التعرف على المتفوقين وعلى المتوسطين والضعاف ومساعدتهم على النمو التربوي في ضوء قدراتهم و وتيرتهم في التعلم.

* إعطاء كم مناسب من المعلومات الأكاديمية والمهنية والاجتماعية ، تفيد في معرفة التلميذ لذاته ولبيئته وفي تحقيق التوافق النفسي والصحة النفسية وتلقي الضوء على مشكلاته وتدريبه على كيفية حلها.

*  توجيه التلاميذ إلى طريقة الاستذكار والتحصيل السليم والمراجعة  بأفضل التقنيات والأساليب ، حتى يحققوا أكبر درجة ممكنة من النجاح .

وقد خلصت لجنة “دور التعليم” في  “المؤتمر العربي الرفيع المستوى لحماية النشء من المخدرات“، والذي نظمه المجلس القومي للأسرة والأمومة بالتعاون مع مكتب الأمم المتحدة الإقليمي المعني بالمخدرات والجريمة للشرق الأوسط وشمال أفريقيا ،الذي عقد خلال الفترة من 12-14 يونيو 2005 بالقاهرة، بخصوص دور المدرسة والنظام التعليمي عموما في حماية النشء من المخدرات ، جملة من التوصيات نورد أهمها فيما يلي :

1 – تبني أساليب متطورة في التعليم النشط للنشء بالمدارس، ابتداء من المراحل العمرية المبكرة، وتضمينها الأساليب الصحية للحياة ومواجهة المشاكل الحياتية المختلفة بالإضافة إلى أساليب الاتصال والإقناع لمساعدة أقرانهم وتوعيتهم ضد تعاطي المخدرات.

2- تطبيق استراتيجية من نظير إلى نظير، للوقاية من تعاطي المخدرات عن طريق إشراك النشء في حل المشكلة . و إنشاء الجماعات الطلابية داخل المدارس وتدريبها لتلعب دورا إيجابيا في توعية الأقران.

3- أهمية تدريب المدرسين والأخصائيين الاجتماعيين والنفسيين على الاكتشاف المبكر للتعاطي وأساليب التعامل مع المتعاطين وأسرهم.

4- صياغة قوانين ولوائح تنفيذية تساعد إدارات المدارس على التعامل مع حالات الاكتشاف المبكر وعلاجه وإعادة ادمجهم في المجتمع .

5- تشجيع الأفكار الإبتكارية ورعاية التلاميذ من خلال نشاطات مفيدة في كافة المجالات .

6- الاهتمام بدور نوادي التلاميذ واتحادات الطلاب وتشجيعهم وإشراكهم في كافة القرارات المدرسية وتنمية انتمائهم لأوطانهم .

7- إنشاء إدارة متخصصة للتوعية في وزارة التربية الوطنية بإداراتها المركزية والإقليمية وذلك لضمان استمرارية مبادرات التوعية بالمدارس مع توافر الدعم المادي والإداري لهذه الإدارة.

8- إنشاء مراكز للنصح والإصغاء والمشورة للتلاميذ مع تفعيل دور الموجهين و الأخصائيين الاجتماعيين والنفسيين داخل المدارس.

9- تضمين الموضوعات المتعلقة بمضار التدخين والمخدرات في المواد الدراسية المختلفة بشكل يتوافق مع المراحل العمرية المختلفة.

-10التواصل  بين المدرسة  ومؤسسات المجتمع المحلي كالجمعيات والأندية الرياضية ودور الشباب ومراكز الثقافة والمكتبات العمومية والمساجد والمراكز الصحية وغيرها بما يكفل تنسيق الجهود لجميع هذه المؤسسات.

11-إعداد أدلة للتوعية تستهدف المعلم والأخصائي الاجتماعي والتلاميذ وأولياء الأمور.

12- تضمين مناهج التعليم غير النظامي ومحو الأمية ، موضوعات تستهدف التوعية بمضار التدخين و مخاطر الإدمان  والاكتشاف المبكر لحالات التعاطي .

ثالثاالمسجد:

المسجد في أصل نشأته ، هو المكان المعد لأداء الصلوات والتعبد جماعة . لكن دوره يتجاوز ذلك إلى كونه مكانًا معتمدًا للعلم والرقي بالوعي الأخلاقي والاجتماعي وتعزيز الاتجاهات السوية ومقاومة الاتجاهات السلبية. كما أنه ملتقى اجتماعي يؤصل مبدأ المساواة والأخوة والتضامن ويعمق العلاقات الاجتماعية في أسمى صورها ، دون أي اعتبار للفروق الاجتماعية . فيرتبط دور المسجد الاجتماعي إذن بسمو النفس وتهذيبها. (العمر معن خليل،2004).

إن أثر المسجد و أثر العامل الديني بشكل عام ، يكمن بالضبط في تقوية شخصية الطفل والشاب بتقوية إيمانه  وتعميق معلوماته الدينية الصحيحة وترسيخ القيم المرغوبة وتحصينه بالتالي ضد مختلف أشكال الانحراف. فمن المسلم به حسب هاني عرموش(1993) ، انه من الصعب على الإنسان المؤمن أن يتعاطى المخدرات، وأن يخالف بالتالي أوامر الدين. و كلما كان إيمان الشاب قويا كلما كان احتمال انزلاقه ضعيفا ، و العكس بالعكس. فضعف الإيمان و عدم وجود رادع ديني قوي كثيرا ما يدفع إلى الشذوذ والانحراف و إلحاق الضرر بالذات و الغير. وكما نلاحظ ، فكثيرا ما ينجرف شبابنا وراء بعض المظاهر الزائفة في المدنية الحديثة متأثرين بالانفلات الأخلاقي فيها،  الأمر الذي يؤدي إلى ابتعادهم عن قيمنا وأخلاقياتنا الأصلية ، و تهيئ مناخ  تعاطي المخدرات و واستعمالها دون حرج.

رابعا : الإعلام:

تؤثر وسائل الإعلام في التنشئة الاجتماعية من خلال الرسائل السمعية و البصرية و المكتوبة،حيث تعكس بواسطة الأخبار و المعلومات والأفكار والمواقف ، جوانب متعددة من ثقافة المجتمع وقيمه وعلاقاته ،فتعمل بالتالي، على تنشئة الفرد على معايير اجتماعية معينة.

لقد أصبح الإعلام اليوم يساهم بقوة في عمليات التربية والتنشئة الاجتماعية ، موظفا التحول التكنولوجي الذي يعتمد شاشات التلفزيون والفيديو والسينما وأجهزة عرض البيانات  والحواسيب و الإنترنيت …إلا أن هذه المساهمة لا تخلو من سلبيات . وقد اعتبر بعض الباحثين أن للإعلام المرئي مسؤولية معنوية إزاء ارتفاع الجرائم و تدهور مستوى التربية والتعليم،  بسبب غزوه الكبير لكل البيوت وهيمنة منتوجه في تأطير خبرات الأطفال والمراهقين اليومية.

و لا يتسع المجال للتعمق في الأهمية المجتمعية للإعلام ،  لذلك سيقتصر الحديث في هذا العنوان، عن الإعلام كأداة للتربية والتثقيف والتأهيل وكل ما من شانه على وجه الخصوص، تمنيع الشباب ضد مختلف أشكال الانحراف وفي مقدمتها الإدمان على تعاطي المخدرات .

يلعب الإعلام دورا مهما يفترض أن يكون إيجابيا في مجال وقاية الأطفال والمراهقين .فكثرة القنوات التلفزية المفتوحة والسهلة الولوج ومقاهي الانترنيت ودكاكين الأقراص المضغوطة والأشرطة الصوتية والمرئية واللوحات والهواتف المحمولة والالعاب الالكترونية، أصبحت متاحة للعموم و بأبخس الأثمان ،داخل الأحياء والشوارع ولا يحتاج فتحها لأي شرط ويسهل بواسطتها الفرجة على أي عمل إعلامي بمجرد الضغط على زر . ونظرا للتطور التكنولوجي المذهل يتمكن المشاهد من مشاهدة أية محطة بث من أي بقعة من العالم. كما الصحيفة و المجلة وغيرها من الوسائل المطبوعة، يمكن قراءتها مع سهولة الحصول عليها من الحي أو المدرسة أو الخزانة و تصفحها على الشبكة العنكبوتية .. هذه الوسائل الإعلامية مع وفرتها و سهولة اقتنائها ، تظل إذا أسيء استخدامها ، من أخطر “الأدوات” التي تسهم في صياغة السلوك المنحرف لدى الأطفال.

وتوصل عبد اللطيف كداي في دراسة استطلاعية أجراها بكلية علوم التربية ونشرها ضمن كتابه (الطفل والإعلام ) إلى نتائج تؤكد شدة وخطورة تأثير وسائل الإعلام وخاصة التلفزيون في مجتمعنا المغربي، في سلوك وشخصية الأطفال ، حيث يتيح التلفزيون للطفل إمكانيات هائلة للتقليد من خلال سلوك  التماهي مع شخصيات تلفزيونية معينة. حيث تقدم القنوات للأطفال يوميا وعلى مدار 24 ساعة نماذج متعددة من الأبطال والشخصيات التلفزيونية ” الرائعة”،أي تلك التي يحلم كل طفل أن يكون مثلها، فتصبح مصدرا أساسيا يرسم ملامح شخصيتهم. إن ما تقدمه الشاشة من شخصيات يجعل منها، من فرط تكرارها ونمطيتها، محببة إلى الطفل ، حيث لا يتوانى في تقليد كل ما يصدر عنها،  ومما يرسخ أكثر عادة التقليد والمحاكاة لديه، هي الساعات الطويلة التي يقضيها أمام التلفزيون.

ومن خلال نتائج هذه الدراسة والمتعلقة ب ( المحاكاة/ عدد ساعات المشاهدة ) تبين ما يلي:

52-%  من الأطفال (وهو ما يفوق نصف العينة) يقلدون ما يشاهدونه على شاشة التلفزيون، وتتخذ هذه المحاكاة عدة أشكال كالحركة، أسلوب الكلام، اللباس…

و يتوزع الأطفال الذين يحاكون أنماط السلوك المتضمنة في البرامج  التلفزيونية وفق ساعات المشاهدة كالتالي:

22.7 %  من الأطفال الذين يشاهدون التلفزيون لأقل من ساعة.

61.2%  من الأطفال الذين يشاهدون التلفزيون ما بين ساعتين و3 ساعات.

59.5% من  الأطفال الذين يشاهدون التلفزيون لأكثر من ثلاث ساعات.

وتدل هذه النتائج أنه كلما ارتفع عدد ساعات مشاهدة الأطفال للتلفزيون إلا وترتفع معها نسبة محاكاتهم للأنماط السلوكية المتضمنة في البرامج التي تبث على الشاشة وبالتالي تأثرهم بها.

على ان المحاكاة وسلوك التقليد لا يأخذ مع الأسف دائما المنحى الإيجابي ، بل بالعكس كثيرا ما يكون التأثير سلبيا ،خاصة في ظل انعدام المراقبة والتوجيه من طرف الراشدين وازدياد مشاهد العنف والجريمة والكوارث… سواء في الأفلام او في البرامج الإخبارية والاستطلاعات .وذلك بالضبط ما أثبته عبد اللطيف كداي في دراسته، حيث اتضح لديه ، من خلال استقراء أولي لبعض نتائج هذه الدراسة ، أن نسبة 48.9 %  أي ما يقارب نصف العينة أكدت تعرض أطفالها لمشاهد غير لائقة أولا تناسبهم بشكل دائم سواء في القنوات المحلية  أو الفضائية، حيث تأتي هذه الأخيرة في المقدمة بنسبة 85.3%.

كما أكدت دراسة كداي ، أن تأثير التلفزيون يكون أكثر سلبية في المجال الدراسي ، حيث أبانت أن نسبة 59.3% من الآباء أكدوا على تهاون أبنائهم دراسيا من جراء تتبعهم للبرامج التلفزيونية،  “إن إغراءات التلفزيون التي يمارسها يوميا على مشاهديه الصغار يجعلهم يقبلون على المقررات الدراسية في تثاقل واضح”.( عبد اللطيف كداي ، 2006).

فلا خلاف إذن في أن الإعلام والمرئي منه على وجه الخصوص ، يخلق وضعا نفسيا خاصا،  يختلف من شخص إلى آخر، ومرد هذا الاختلاف هو درجة التحصين لدى الفرد. فالطفل أو الشاب الذي يعيش تنشئة اجتماعية سوية، يكون التأثير فيه من أجهزة الإعلام ذي مردود إيجابي وإمكانية تأثره بالمنتج الإعلامي الرديء ضعيفة. بيد أن الطفل الذي يعيش ظروفا اجتماعية صعبة غير مريحة، تعمل درجة التأثير غير المرغوب فيه في وجدانه بطريقة سيئة وبالتالي سيكون المردود سلبيا مع احتمال ظهور عوامل الإقدام على التعاطي وعلى الإدمان.

لقد أصبحت العديد من مواقع الانترنيت إلى جانب الكثير من القنوات الفضائية، خاصة تلك التي تحفل منها بالمحتويات الإباحية ،سببا في كثير من المآسي . فغدت تستحوذ على جانب كبير من الاهتمام في مختلف الأوساط العربية؛ لكن غالبًا ما يكون التعاطي معها مجرد دردشة عن التداعيات والآثار المدمرة لها في الأوساط الشبابية ، دون طرح الحلول العملية لدرء مخاطرها، ودون وضع آليات دفاعية – تحصينية أمام محاولة إغراق المجتمعات العربية في موجة من الانحلال .

وتتضح خطورة تلك القنوات و المواقع بشكل أكبر، من خلال الأرقام التي يرصدها الباحثون المعنيون بظاهرة الإباحية ورصد تداعياتها، فالدراسات تكشف أنه يتم إنفاق 57 مليار دولار سنويًا في ترويج المواد الإباحية عبر وسائل الإعلام، وفقًا لما ذكره الدكتور مشعل القدهي ، في كتابه “الإباحية وتبعاتها ظاهرة تفشي المواد الإباحية في الإعلام والاتصالات والإنترنت”.

ويتجاوز عدد الفضائيات الإباحية عبر العالم خمسة آلاف فضائية، منها 3212 غير مشفرة، ومن بينها 520 تبث باللغة العربية، بحسب دراسة للدكتور عاطف العبد أستاذ الرأي العام ووكيل كلية الإعلام بجامعة القاهرة، ويشكل المراهقون الذين تتراوح أعمارهم ما بين 14 و20 عامًا 38% من نسبة المراهقين بدول مجلس التعاون الخليجي الذين يشاهدون القنوات الإباحية، بينما أصبح كثير من المراهقين من عمر 16 سنة مدمنين للجنس الإلكتروني ، بحسب دراسة ميدانية بعنوان :”تأثير الفضائيات على سلوك الأطفال وانحراف المراهقين”، أشرف عليها حجي بن طاهر النجيدي.

وفي فضاء الإنترنت، تكشف الأرقام أن عدد المواقع الإباحية المنتشرة على الشبكة العنكبوتية يصل إلى 4.2 ملايين موقع، فيما يقدر إجمالي عدد الصفحات الإباحية 420 مليون صفحة، وعدد مرات البحث عن تلك المواقع بمحركات البحث 68 مليون طلب يوميًا، وعدد الرسائل الإلكترونية الإباحية 2.5 مليار رسالة يوميًا، ونسبة زوار المواقع الإباحية من مستخدمي الإنترنت 42.7% من إجمالي زوار الشبكة، وعدد الزوار الشهري لتلك المواقع أكثر 72 مليون زائر، بينما تبلغ نسبة المواد الإباحية المحملة عبر الإنترنت 35% من إجمالي المواد المحملة.

واستنادًا إلى موقع الإحصاء الشهير “إليكسا”، فإن مستخدمي الإنترنت في الدول العربية يعدون هم الأكثر ارتيادًا للمواقع الإباحية، فمن إجمالي 24 دولة تأتي في الصدارة، توجد 14 دولة عربية، أي ما نسبته 60% من القائمة .

وكان على رأس التوصيات التي أوردها فتحي مجدي (2010)،للحد من مخاطر هذه المواقع،والتي تحاج للمزيد من البحث والمناقشة ، تشجيع قيام وسائل إعلام هادفة وجذابة كبدائل للبث التلفزيوني الفضائي المباشر، كإنشاء شبكات محلية للكابلات التلفزيونية، أو تفعيل شبكة البث الرقمي، وتشجيع الاستثمارات فيها، وذلك للحد من القنوات غير الأخلاقية. و الإسراع في تنفيذ وحدة مكافحة جرائم المعلوماتية بالأمن العام، لاستقبال شكاوى المتضررين من جرائم المعلوماتية وضبطها.

كذلك تضمنت التوصيات ضرورة وضع آلية إلكترونية وهاتفية لتلقي البلاغات المتعلقة بالمحتوى والمواد غير الأخلاقية في وسائل الإعلام، والألعاب الإلكترونية، ووسائط التخزين… مع التعامل معها بشكل فوري، من خلال التنسيق والتعاون بين الجهات ذات العلاقة، وأن تزود وزارات الثقافة والإعلام ،هيئة الاتصالات وتقنية المعلومات بأرقام الاتصال بالقنوات الفضائية الإباحية غير الأخلاقية، من خلال آلية سريعة لحجبها ومنع الاتصال بها من داخل البلدان العربية. بالإضافة إلى دراسة تطوير آليات وبرامج حاسوبية تسهم في التعرف على أرقام الهواتف المعلنة على تلك القنوات آليا لتسهيل رصدها.

وتدعو التوصيات كذلك ،للتنسيق مع محركات البحث العالمية على شبكة الإنترنت، لإيجاد آليات تسهم في عدم ظهور المواقع التي تحتوي على محتوى غير أخلاقي، والاستفادة من تجارب الدول الأخرى في هذا المجال. وتقترح تضمين نصوص لضبط رسائل الجوال النصية والمرئية والمسموعة، ورسائل البريد الإلكتروني، وغيرها من المستندات الإلكترونية في اللائحة التنفيذية لنظام الإجراءات الجزائية. ( فتحي مجدي ، 2010).

وقد توصلت قبل ذلك ، لجنة “دور الإعلام” في “المؤتمر العربي الرفيع المستوى لحماية النشء من المخدرات” ، السالف الذكر والذي عقد خلال الفترة من 12-14 يونيو 2005 بالقاهرة، بخصوص دور الإعلام في حماية النشء من مختلف أشكال الانحراف وخاصة الإدمان على  المخدرات ، إلى الاتفاق على جملة من التوصيات نختصرها نظرا لأهميتها ، في النقاط التالية :

-1الحرص على مستوى الدولة ،على وضع خطة إعلامية بالتنسيق مع الجهات المختلفة مع تأمين الموارد المالية والأطر(الكوادر البشرية اللازمة لها.

2- تشجيع كبار الكتاب والمفكرين والمخرجين والفنانين على تناول القضية في أعمالهم الدراسية بما يدعم نشر ثقافة رفض المخدرات.

3- إنشاء إدارة الأبحاث والتدريب يعهد إليها بتأهيل العاملين في المجال الإعلامي  ,وتوفير المادة العلمية للرسالة الإعلامية وتقييم ما يقدم من أعمال.

4- العمل على تحديد شريحة المشاهدين المستهدفة في طريقة عرض البرامج بحيث تصل الرسالة الإعلامية لكل فئة عمريه خلال اعلي نسبة مشاهدة.

5 – توفير قواعد بيانات داخل أجهزة الإعلام المختلفة التي تعمل في مجال حماية النشء لتكون مرجعية لكل إعلامي يتصدى لهذه القضية.

6- استثمار رموز وشخصيات عربية عامة من مختلف المجالات للقيام بحملات إعلامية مؤثرة في الشريحة المستهدفة من النشء,

7-  قيام وسائل الأعلام بنشر وإبراز التجارب الرائدة في مجال حماية النشء من المخدرات.

8- حظر إعلانات الترويج للتبغ والكحول في وسائل الأعلام.

خامسا- الحي السكني :

وهوالمنطقة الجغرافية ‏-العمرانية‏ التي تقطنها الأسرة بجوار العديد من الأسر وتتشابك فيها العلاقات الاجتماعية بين تلك الأسر وأفرادها تأثرًا وتأثيرًا، لذا فالحي يسهم في تزويد الفرد ببعض القيم والمواقف والاتجاهات والعادات والمعايير السلوكية التي يتضمنها الإطار الحضاري العام الذي يميز المنطقة الاجتماعية‏.‏ إن للحي دورًا قد يكون مكملًا لدور الأسرة والمدرسة في توجيه الطفل ويؤثر كل واحد في الآخر، فقد يكون داعمًا لما تقدمه الأسرة من سلوكيات بغض النظر عن ماهية هذا السلوك، وقد يكون هادمًا وذلك يتأتى من طبيعة الحي ومستواه الاقتصادي والاجتماعي، فلقد ربطت العديد من الدراسات بين طبيعة الحي وتأثيره على سلوك قاطنيه وأبرز تلك الدراسات الدراسة الشهيرة التي قام بها الأمريكي ‏‏كليفورد شو‏ على خمسة من الأشقاء عُرفوا بتاريخهم الإجرامي الطويل وكيف كان للحي أثر بيِّن في تكوين الجنوح لديهم‏.‏ (الخليفة، عبدالله بن حسين. 1413هـ).

وأثبتت العديد من الدراسات أن شخصية الحدث تتشكل في الغالب بحسب سكان الحي وبحسب مكانة الحي بين الأحياء على مستوى المدينة، وبحسب وسائل الترويح المتاحة فيه، فالحي الذي تتوافق قيمه مع قيم المجتمع الكبير.ففي الدراسة التي أجراها أجريت على ثلاثة مجتمعات ( الأردن، المغرب، السودان) وجدت أن 30% من جيران من ارتكبوا جرائم سبق وأن دخلوا السجن . ويتضح الترابط بين الحي وساكنيه وأثره في إكساب الفرد للسلوك المنحرف إذا عرف أنه في هذه الدراسة ، وجد أن 40% من العينة كانوا يزورون جيرانهم يومياً و 34% منهم كانوا يزورونهم أسبوعياً.

كما أظهرت العديد من الدراسات أن هناك علاقة بارزة بين خصائص النسق العمراني البيئي للأحياء وبين انحراف الأحداث، وقوة العلاقة بين مستوى الحي ومتغيراته الاقتصادية والاجتماعية والبيئية من جانب أخر. ( عن مجلة ولدي ،شبكة الساحات السعودية – من قسم: ساحة شؤون الأسرة 2006-12-06.   ).

وعموما فالمسكن الذي يسكنه الطفل أو المراهق ، إذا كان مسكنا غير صحي ومكتظا أو ضيقا أو عرضة للعوامل السلبية المختلفة أو غير متصل بفضاء يتسع للعب، وممارسة الهوايات الخاصة أثناء الوقت الحر، أو إذا كان الحي السكني ذاته متصل بمناطق الأوراش أو المصانع أو المناطق الملوثة أو الخربة المهجورة ، كل ذلك من شأنه أن يجعل البيئة غير صالحة لنمو سليم.

وقد خلصت بعض الدراسات إلى وضع مجموعة  من المعايير التصميمية التي يساهم تطبيقها في إيجاد أحياء سكنية توفر الأمن والسلامة للأطفال والكبار على حد سواء، من مثل:

– وضوح المداخل إلى الحي كبوابات تحدد للحي نطاق الحيازة الخاصة به، وتمنحه هويته المميزة بطريقة تمكن السكان من مراقبة هذه المداخل والتحكم فيها.

– زيادة فرصة السكان والمارة في المراقبة، بحيث يتمكن السكان من داخل وحداتهم السكنية من مراقبة الشارع والفراغات الخارجية والأنشطة التي تدور فيها وخصوصاً أنشطة الأطفال، وأن يتمكن المارة كذلك من مراقبة الأنشطة المشتبهة في الشوارع والساحات حول الوحدات السكنية ومناطق تجمع الأطفال.

– توظيف مفهوم تنسيق الحي من خلال توفير العناصر الحيوية، مثل الأرصفة والتشجير والإضاءة والجلسات المظللة والمحمية ومناطق العاب الأطفال ومباني المرافق والمحلات التجارية، وكذلك الفراغات المشتركة شبه الخاصة كمناطق تجمع ضمن الحي السكني، لتشجع السكان على التواجد خارج الوحدات السكنية وسهولة تنقل الأطفال على الأقدام داخل الحي السكني بين مساكنهم والمسجد والمدرسة والحديقة.

– إلغاء المناطق التي تُمكن المجرم من الاختباء والمتشردين و المنحرفين من التجمع بعيدا عن أعين السكان، مثل بقاء القطع السكنية بيضاء (غير مطورة أو مهجورة…) ومنتشرة داخل الحي وبين الوحدات السكنية. (علي بن سالم باهمـام ،1412).

         شكل رقم (3):إيجابيات تمكين الطفل من التواجد مع أقرانه

        في الحي وخارج جدران البيت ومخاطره.

(عن علي بن سالم باهمـام ” تحسين بيئة الأحياء السكنية لسلامة الأطفال “، 1412)

سادسا – جماعة الأقران:

تأثير الأطفال بعضهم في بعض له مميزاته وفوائده في تشكيل حياتهم الاجتماعي،و اكتسابهم الكثير من الخبرات،و في إشباع حاجاتهم النفسية،مما يساعدهم على النمو الاجتماعي.لكن التأثير قد يتخذ منحى سلبي إذا حدث في إطار جماعة متمردة أو شلة مهيأة للانحراف .       و تجمع كل الدراسات المهتمة بموضوع تعاطي المخدرات على دور جماعات الأقران في تفشي الظاهرة . حيث يصبح التعاطي الجماعي علامة من بين العلامات التي “توحد” الشلة ، وشعيرة لقبول الشاب في حضنها والاندماج في طقوسها المدمرة .

وتلعب جماعة الأقران دورا هاما في عملية النمو والتنشئة الاجتماعية ،وكثيرا ما يغفل أمرها، مع أنها مؤسسة اجتماعية حقيقية لها شكل ووظيفة.وتتخذ لها في العادة شعارات رمزية مثلها مثل فرق الكشافة ، لكن مع الأسف في بعض الأحيان يكون تعاطي المخدرات هو العلامة او الرمز الذي يميز جماعة الأقران ومن هنا تأكيدنا على ضرورة مراقبة هذه الجماعات ومراقبة اختيارات أبنائنا في رفاقهم . ( سيدي أحمد لمساوري،2008 ص (293 .

 

6– خطط وإجراءات  تقوية الأطفال والشباب و تحصينهم النفسي

رغم أننا قد نتحدث عن خطة أو إستراتيجية للتحصين النفسي فالمسالة ليست بهذه السهولة، نظرا لكون التحصين النفسي ليس محددا في الزمان أو في المكان ، فالتحصين النفسي للشباب لا يبدأ في فترة الشباب او المراهقة ، بل ينبغي أن يبدأ منذ الطفولة المبكرة والمكان الطبيعي لحدوث التحصين ليس هو الأسرة فقط ولا المدرسة ولا غيرهما من وسائط التنشئة الاجتماعية ، انه يحدث في كل تلك المجالات وفي غيرها بما فيها مخافر الشرطة وأماكن الاعتقال والعقاب ، بشكل متزامن ومتناغم.

كما نرفض الأساليب السريعة والوصفات الجاهزة والتي تتحدث مثلا عن كيفية تقوية الذات في عشرة أيام او كيف يسيطر الشاب على نفسه ويستعيد ثقته بها بمجرد قراءة دليل إرشادي في بضع ساعات. فالمسالة ليست بهذه البساطة .لذلك فإننا نؤكد مع خبراء علم النفس وعلم الصحة النفسية ، بضرورة بداية التدرب على اكتساب و تقوية المفهوم الايجابي للذات وبالتالي اكتساب الثقة في النفس منذ الطفولة المبكرة ، وهي عبارة عن سيرورة مستمرة تحتاج إلى دراية والكثير من الصبر ، تتآزر فيها كل الأطراف المتدخلة في تربية الأطفال وتنشئتهم الاجتماعية وتتضافر مختلف الأساليب الوقائية.

وسنعمل الآن ،على تقديم بعض البيانات لتعريف معنى تقوية الشخصية والإجراءات الضرورية لذلك ،على اعتبار أن هذه التقوية هي الركيزة التي ينبغي أن يستند عليها كل برنامج يروم التحصين النفسي لشبابنا ضد المخدرات.

أولا- تقوية الشخصية بترسيخ مفهوم موجب للذات:

لا يكون من الصعب عند تصفحنا للأدبيات حول التعاطي وتعاطي الشباب للمخدرات على وجه الخصوص ، العثور على بحوث جادة تثبت العلاقة الوطيدة بين مفهوم الذات و سلوك الإدمان . وتبين لنا من قراءاتنا عموما ، أنه من بين أهم خصوصيات هذه العلاقة ، أن يكون لارتفاع مفهوم الذات أي التقدير الايجابيي لها، دور مهم في قدرة الشاب على مواجهة الأحداث الشاقة وصعوبات الحياة ،مواجهة فاعلة ، تضعف من احتمالات لجوئه إلى السلوكيات المنحرفة ومنها التعاطي والإدمان. ومن ذلك إلحاحنا الشديد على ان تكون تقوية الشخصية بترسيخ مفهوم موجب للذات، من أهم أعمدة برنامجنا العربي المتكامل لتحصين الشباب ضد تعاطي المخدرات .( مايسة جمعة ، 2007 ،ص 13).

والمقصود بالذات هنا ،هوية الفرد وحجر الزاوية في شخصيته.و المقصود بمفهوم الذات هو الصورة التي نكونها عن أنفسنا منذ الصغر وما يرتبط بهذه الصورة من إحساس بالرضا او عدم الرضا او ما يسمى بتقدير الذات .

على أن مفهوم الذات يتعلق بالجانب الإدراكي من شخصية الطفل .. اما تقدير الذات فيتعلق بالجانب الوجداني منها.

وهناك ارتباط وثيق بين مفهوم الذات وتقدير الذات ، فإذا كانت صورتنا عن أنفسنا ايجابية من الطبيعي ان نشعر بالاعتزاز والرضا بهذه الذات ، وعلى العكس من ذلك اذا كانت صورتنا عن ذاتنا سلبية فسوف نكره ذاتنا ونحتقرها .

وليس هناك اخطر من ان يكره الطفل نفسه لان ذلك سوف يعرضه الى العديد من المشكلات السلوكية والنفسية عاجلا أم آجلا ،في محاولة يائسة لإثبات ذاته بطرق سلبية بعد ان فشل في إثباتها بطرق ايجابية .

لقد أثبتت معظم الدراسات ان من أهم الأسباب لتدني التحصيل الدراسي والفشل الدراسي ،لدى التلاميذ كما رأينا ،هو تدني مستوى مفهومهم لذاتهم ومستوى تقديرهم لهذه الذات ، وكذلك بينت ملاحظات علماء النفس انه وراء العديد من المشكلات النفسية والسلوكية لدى الصغار والكبار.

ونتيجة لذلك تحدث حالة فقدان الثقة بالنفس والتي تكشف بدورها على فقدان التكامل والاتزان النفسي وهذا الاتزان إنما هو سلوك داخلي وخارجي ينتهجه الشخص المتكامل نفسيا ،والشخصية المتكاملة يأتي سلوكها إيجابيا متكيفا مع الواقع الاجتماعي . والثقة بالنفس تحمي الشخص من التصرفات العدوانية ، والإنسان الواثق بنفسه قادر على اكتساب الخبرات الحياتية ،وتعلم المهارات، فالذكاء وحده لا يكفي في هذه الحالة إذا لم يتواكب مع الثقة بالنفس .

والشخص الذي يؤمن بقدرته على الأداء يستطيع أن ينجح، فإحساس الشخص بالقصور عن أداء العمل ينتهي به إلى التخاذل ، ومن ثم فأنه لا يستطيع أن يبذل الجهد المطلوب لإنجاز العمل وحتى إذا هو بذل جهداً أكبر فإنه لا يكون جهداً مشوباً بالتصويب السديد ،بل يأتي جهده مشتتاً.

والابتكار في العمل حسب حمود الشنبري الشريف(2008) ، بحاجة شديدة إلى الثقة بالنفس ،ولكي يكون الشخص ناجحاً لابد أن يتمتع بالاتزان الانفعالي ،والعلاقة بين الاتزان الانفعالي وبين الثقة بالنفس علاقة وثيقة للغاية.إن الاتزان الانفعالي هو حالة من حالات الثقة بالنفس فالشخص المتزن انفعالياً هو شخصية رزينة ، هادئة التفكير، غير مندفعة ، فيما تصدره من أحكام ،وغير متهورة فيما تقبل عليه من تصرفات ، والشخصية المتزنة انفعالياً شخصية تحكم نفسها وتمسك بمقاليد تصرفاتها ، ولا تتورط في تصرف متهور.

والثقة بالنفس تكسب الشخص وضوحاً في الرؤية ،ذلك أن الإنسان إذا وثق في نفسه يستطيع أن يحس بأن العمل الذي يضطلع به ما هو إلا جزء من نفسه ومن ثم فإنه يعمد إلى رؤية نفسه من خلال رؤيته للعمل بوضوح ، ويتبع هذا تجديد أسلوب العمل ، وتقبل النقد الموجه له ، بل ويتخذ من النقد الذاتي ونقد الآخرين له ذرائع تصحيحية وتطويرية والشخص الواثق دائب التعلم واكتساب الخبرات الجديدة. (حمود بن هزاع الشنبري الشريف،2008).

والثقة بالنفس تجعل الشباب في منأى عن الوقوع تحت طائلة عواطف الآخرين وسيطرتهم، بما فيهم جماعة الأقران .وحب الواثق للآخرين يقوم أساسا على احترام الشخصية الإنسانية ، لأن الثقة بالنفس ضرورية لمواجهة الصعاب والمشكلات ، وضرورية لكي يكيف الشاب نفسه وفق المتغيرات البيئية المحيطة به ، و يعدل من سلوكه من غير أن يحس بخيبة أمل.

لذلك ينبغي أن يكون المقصد الرئيسي للتحصين النفسي  هو العمل مع الفرد لتحقيق ذاته والعمل مع الفرد يقصد به العمل معه حسب حالته ، وتقبله كما هو،سواء كان عاديا أو متفوقا أو ضعيف العقل أو متأخرا دراسيا أو متفوّقا أو جانحا، ومساعدته في تحقيق ذاته.والتفوق على الضغوط المحيطة به .

ويقول كارل روجرز ، بهذا الصدد ،إن الفرد لديه دافع أساسي يوجه سلوكه وهو دافع تحقيق الذات. ونتيجة لوجود هذا الدافع فإن الفرد لديه استعداد دائم لتنمية فهم ذاته ومعرفة وتحليل نفسه وفهم استعداداته وإمكاناته أي تقييم نفسه وتقويمها وتوجيه ذاته .. ويتضمن ذلك “تنمية بصيرة العميل”.. ويركّز الإرشاد النفسي غير المباشر أو الممركز حول العميل أو الممركز حول الذات على تحقيق الذات إلى أقصى درجة ممكنة “.(كارل روجرز ،العلاج الممركز حول العميل: ممارسته الجارية ومضمونه ونظريته “.(عن عبد السلام زهران ،1980).

كذلك يهدف التحصين النفسي إلى نمو مفهوم موجب للذات. والذات كما أسلفنا ،هي كينونة الفرد وحجر الزاوية في شخصيته، ومفهوم الذات الموجب يعبّرعن تطابق مفهوم الذات الواقعي ( أي المفهوم المدرك للذات الواقعية كما يعبّر عنه الشخص ) مع مفهوم الذات المثالي ( أي المفهوم المدرك للذات المثالية كما يعبر عنه الشخص ). ومفهوم الذات الموجب عكس مفهوم الذات السالب الذي يعبر عنه عدم تطابق مفهوم الذات الواقعي ومفهوم الذات المثالي.(عن عبد السلام زهران ،1980).

وهناك مقصد بعيد المدى للتحصين النفسي وهو ” توجيه الذات ” أي تحقيق قدرة الفرد على توجيه حياته بنفسه بذكاء وبصيرة وكفاية في حدود المعايير الاجتماعية، وتحديد أهداف للحياة وفلسفة واقعية لتحقيق هذه الأهداف.

وسنقدم فيما يلي جملة من التوجيهات والإجراءات الكفيلة إذا طبقت منذ الصغر وبشكل منظم ومدروس من طرف جميع المتدخلين في عملية التنشئة الاجتماعية ، بالمساهمة إلى حد كبير في تحصين شخصية الشباب ضد تعاطي المخدرات.

-1    من الضروري أن يتدرب الوالدان وكذلك المعلمون ، على كيفية التعامل مع سلوك الأطفال وتوجيهه الوجهة المناسبة بما يؤدي إلى توافقهم الشخصي والاجتماعي. وان يتدربوا على ملاحظة سلوك الطفل أثناء ممارسته للنشاط بجوانبه المختلفة من حيث نظرته لنفسه وكيف يتفاعل مع الآخرين..وقد يكون هذا النشاط داخل أسرته وفي منزله ..أو يكون في مدرسته يمارسه فرديا أو جماعيا.حيث يتمكنون من تعزيز السلوك الايجابي لدى الطفل ، سواء في الجانب ألتحصيلي او التربوي وتحفيزه ماديا ومعنويا. ..

-2أن يعمل هؤلاء المربين ،على تقوية علاقات الطفل بإخوته في المنزل وبأبناء جيرانه وكذلك بزملائه في المدرسة بما يعزز روح المشاركة الايجابية لديه.  وعلى تعويده على الاندماج والتفاعل مع الآخرين ومساعدته على تقبل الآخرين دون الميل إلى نقدهم أو التهكم عليهم.

– 3 تعزيز هوية النجاح لدى الطفل، بما تتسم به من صبر وجد وبذل الجهد وهي تعد من مقومات تقدير الذات المرتفع أو الايجابي .. وتجنب هوية الفشل التي تؤدي إلى نشوء تقدير ذاتي منخفض أو سلبي يؤدي فيما بعد إلى تعثره في حياته الحالية والمستقبلية .و عدم الإسراف في نقد أفكار الطفل وتجنيبه مواقف الفشل حتى لا يصاب بالإحباط.‌و تقبل أفكار الأطفال بصرف النظر عن بعض سلبياته لتنمية تقبل الطفل لذاته . والتدخل حين يشعر المربي بتجاوز مفهوم تقدير الذات لدي الطفل إلى تضخيم ذاته ..مثلا ..كيل المديح لنفسه في نفس الوقت الذي يقلل فيه من أهمية الآخرين ..ليضعه في وضعه الحقيقي..ويقوم بتدريبه على ذلك. وتجنب استخدام العبارات المؤذية لتقدير الذات الموجب لدى الطفل..كلصق بعض الألقاب السيئة على الطفل أو لومه بشكل مستمر آو تهديده أو إيقاع أي نوع من أنواع العقاب عليه..

-4 إعطاء الحرية للطفل في اختيار الأنشطة التي يمارسها و‌إعطائه الحرية في إبداء رأيه في الموضوعات المتعلقة به ، والبيئة المحيطة من حوله لممارسة جو من التشارك في اتخاذ القرار .وإعطاء الفرصة للأطفال للتحدث والتعبير عن مشاعرهم وذاتهم بحرية ودون خوف في مختلف المواقف لتنمية قدرتهم على التعبير الحر عن رأيهم . ‌و السماح للأطفال بسرد ما قاموا به من إنجاز ، وذلك في نهاية كل نشاط على أن يحتفظوا بتلك الأعمال في ملف بورتفوليو Portfolios( المحفظة التربوية ) خاص بكل طفل ، حتى تكون أداة مساعدة في تقييم مفهوم الذات لكل طفل .مما يساهم في ‌تقوية إحساس الطفل بأهمية ما ينتجه من عمل سواء بمفرده أو مع جماعة حتى يشعر بإمكاناته . (صلاح عبد السميع عبد الرازق ،2006).

-5 حمايته من تعديات الآخرين، والوقوف بجانبه إذا تعرض لشئ من ذلك، ومن المهم أن يطلب منه التسامح في مقابلة أخطاء الآخرين، مع تذكيره بفضل العفو عن الناس، والصبر على ما يكره، وتعليمه أن لكل فرد نصيب من الأمور التي يكرهها، ولابد له أن يصبر عليها. منحه الحب قولاً: بأن يسمع كلمات الحب منك، وفعلاً: بأن يُمازح ويُضم ويُقبل ليشعر بأنه محبوب ومقبول ومُقدر بقيمة عالية لديك، ولدى الكبار غيرك. (رشاد عبد اللطيف2008).

-6  أن تبحث عن الأمور التي تتوقع أنه يستطيع إنجازها بنجاح، فتعمل على تكليفه بها، ثم تمدحه عليها.

-7 أن تُسمع الزوار والأقرباء الثناء عليه بحضوره، مع الحذر من توبيخه أو لومه أمامهم.

ثانيا :تقوية الشخصية بالتربية على القيم:

القيم هي مكونات نفسية  مكتسبة لتوجيه التفكير والسلوك لدى الفرد، وهي تنبع من التجربة الاجتماعية وتتوحد بها الشخصية، وهي عنصر مشترك في تكوين البناء الاجتماعي والشخصية الفردية يعمل على توجيه رغباته واتجاهاته ، وتحدد له السلوك المقبول والمرفوض.

ومن المعلوم ، أن لكل مجتمع قديم أو معاصر، متحضر أو متخلف، مجموعة من القيم والمبادئ التي يستمد منها تصوره وتصور أفراده عن الكون والحياة. هذه القيم والمعتقدات تكون هي الضابط الأول لسلوك الأفراد نحو توجه اجتماعي معين، فما هو مقبول في عرف هذه المبادئ يكون مقبولا عند هذا المجتمع وما يكون مرفوضا في عرف هذه المبادئ يكون مرفوضا عند هذا المجتمع، وبين هذا وذاك أمور تدور بين الرفض والقبول. (الجوير إبراهيم، 1419).

ومن المعلوم كذلك ،أن الإنسان يحتاج إلى القيم الاجتماعية والمبادئ الأخلاقية والمعتقدات الدينية بقدر حاجته إلى الطعام و الشراب و الهواء. فهو يحتاج إلى أن يشعر بوجوده كانسان  و بقيمة المجتمع وقيمه، كما يحتاج إلى الحرية، والى هوية ينتسب إليها ، لان الإنسان بحاجة إلى الانتماء إلى شيء محدد.

إن التربية في جوهرها عملية قيمية و إن أهم ناتج التربية هو أن تتخذ لها مجموعة من القيم البناءة الدائمة التي تخضع لها الجماعة وتنتظم حولها حياتها ، فالشخص المتعلم الذي لا توجه معارفه و قدراته نحو أهداف قيمية يتخذها لنفسه ، يصبح خطرا على نفسه وعلى المجتمع على حد سواء . ومن الملاحظ إن عملية البناء القيمي ليست مسئولية مؤسسة اجتماعية بعينها أو منهج دراسي بعينه ولكنها مسئولية كل من له علاقة بعملية التربية .

كما أن التربية تعمل على ترسيخ القيم عن طريق ما تستمده من المجتمع الذي توجد فيه ، فالتربية الإسلامية تستمد قيمها من الدين الإسلامي الحنيف الذي يمثل مصدرا أساسيا للقيم التي تحكمها ، كما تعمل التربية على تـرسيخ القيـم ليس فقط عـن طريق الجانب النظري المعرفي فحسب بل عـن طريق الجـانب التطبيقي السلوكي ( محمد الدريج ،2004 ).

إذن لا بد في إطار برنامجنا التحصيني من إعادة الاعتبار للتربية الأخلاقية  وضرورة صياغة ثقافة ترتكز أولوياتها على القيم ، هذه التربية القيمية يمكن تلخيصها في النقاط التالية:

– الحرص على إكساب الأطفال والمراهقين سمات و عادات شخصية مرغوب فيها ، مثل : الصدق والأمانة و التعاون و مساعدة الآخرين.

-الحرص على الارتباط بالقيم المتصلة بالمجتمع و بالوطن و تاريخه ومقدساته ، مثل الانتماء و الالتزام و التضحية و تقدير العمل والإخلاص فيه ومعرفة الخصائص المميزة لثقافة المجتمع وتراثه .

-ترسيخ القيم الكونية ، مثل : احترام حقوق الإنسان و رفض فكرة الاحتلال وترسيخ التعاون و الحوار و التسامح  و تقدير أهمية الشرعية الدولية و المبادئ و المواثيق التي صادقت عليها الأمم .

و للتذكير فإننا نجد في المنهاج الإسلامي في التربية ، منبعا لمثل هذه الأهداف و التوجهات ، ذلك أن الإسلام دين قيم ، و أن جميع تشريعاته و أحكامه و أفكاره ، ليست غاية في ذاتها و إنما الغاية القصوى تتمثل فيما قاله الرسول عليه الصلاة و السلام : “ إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق “.

وفي هذا الإطار فإن الوزارة الوصية على التعليم في المغرب ،أولت موضوع توظيف التربية على القيم في تحصين التلاميذ، أهمية قصوى في إطار البرنامج ألاستعجالي الذي شرعت بتفعيل برامجه منذ عام 2009، حيث قامت باتخاذ عدة تدابير لمواجهة ظواهر الانحراف ،كما أسلفنا، وذلك بتنسيق مع القطاعات والجهات المعنية. فقامت الوزارة بمعالجة هذه الظاهرة من خلال عدة مقاربات:

أولا: المقاربة التربوية –البيداغوجية، وذلك باعتبار أن الوزارة التربية الوطنية من مهامها وأدوارها الأساسية التربية والتكوين؛ فقد ضمنت مجموعة من القيم والسلوكات والمهارات التي تعمل على تربية الناشئة تربية سليمة و توعيها بمخاطر التدخين والتعاطي للمخدرات؛ وهذا يظهر جليا في المناهج والبرامج التربوية حيث نجد العديد من النصوص التربوية في الكتب المدرسية ، تحذر من مخاطر تعاطي للمخدرات. .(عن منتدى “حوار حي “، موقع الرابطة المحمدية للعلماء  .(2010-01-07

كذلك يتم تمرير مجموعة من القيم النابذة لتعاطي للتدخين وتناول للمخدرات عبر مجموعة من المواد من مثل التربية الصحية والتربية على المواطنة  … ثانيا: ثم مقاربة تفعيل الأدوار الحياة المدرسية: وذلك من خلال تشجيع وتكثيف الأنشطة الثقافية والفنية والرياضية في إطار مدرسة النجاح ، من أجل ترسيخ الأخلاق النبيلة وتثبيت السلوكات الإيجابية ونبذ كل ما يمس بدور المؤسسات التعليمية .

ثالثا : تقوية الشخصية بالعمل التربوي الممنهج وتضمين المناهج الدراسية بما يعمل على التوعية بأضرار المخدرات والسلوك المنحرف.

سبق وان تحدثنا عن الدور الذي من المفروض أن تلعبه المدرسة في السياسة الوقائية من كل أشكال انحراف الشباب وقدمنا جملة من المقترحات ندعمها هنا بضرورة التركيز على تقوية شخصية الطفل والمراهق وذلك من خلال تضمين المناهج الدراسية بالمعارف والمهارات والمفاهيم الخاصة بالتوعية من أضرار المخدرات وبناء الاتجاهات السليمة نحوها. وإعداد الكتب والأدلة الإرشادية التربوية اللازمة للتوعية بأضرار المخدرات. وكذلك تنمية الدور التكاملي للأسرة والمجتمع مع المدرسة في حماية النشء من خطر المخدرات. وإعداد الخطط والأطر التنفيذية للتوعية بأضرار المخدرات في البيئة المدرسية التعليمية. وتعزيز دور التعليم العام والجامعي في رفع مستوى الوعي الثقافي والاتجاهات الإيجابية نحو حماية المجتمع من أضرار المخدرات وآثارها السلبية. من خلال تضمين المناهج الدراسية بالتعليمين الثانوي و العالي مقرراً دراسياً أو على الأقل مواضيع للتوعية بأضرار المخدرات وآثارها السلبية على الفرد والمجتمع. وإعداد الخطط والبرامج والأطر التنفيذية للتوعية بأضرار المخدرات في المجتمع الجامعي من خلال برامج النشاط العامة. ووضع خطة وطنية عملية لحماية النشء من المخدرات ومعالجة الآثار السلبية الناتجة عنها في التعليم العام.

كما ينبغي أن تساهم الجامعات ومؤسسات البحث العلمي ، في تطوير أساليب واستراتيجيات مكافحة المخدرات في البيئة التربوية والتعليمية. وذلك من خلال توجيه البحوث والدراسات وتوظيف نتائجها في مجال مكافحة المخدرات في التعليم العام والجامعي. وإجراء مسح للدراسات والإحصاءات والمعلومات المتوفرة عن ظاهرة المخدرات. وتحديد الأولويات البحثية في مجال التوعية بأضرار المخدرات في المجتمعات التعليمية. وإقامة مركز وطني معلوماتي في مجال مكافحة المخدرات في التعليم العام والجامعي. إضافة إلى تنظيم اللقاءات والمنتديات الوطنية والعالمية في مجال مكافحة المخدرات في التعليم.

رابعا : التدريب المهني وإعداد الشباب للانخراط في العمل:

 من التدابير الأساسية للتحصين النفسي للشباب ، العمل على تجنيبهم  البطالة وما يلازمها من فراغ وتشرد والتي ترتبط ارتباطا وثيقا بظواهر الانحراف والجريمة. لذلك ينبغي ان يحتل الإدماج المهني للشّباب أولويّة مطلقة في أي برنامج لتحصينهم . إن العمل هو الكفيل بتحقيق مدخول قار و حياة مستقرة وضمان التّوازن النّفسي والاستقرار للأفراد والجماعات وخاصة فئات الشباب . إن الشغل حق لابد أن تتكافأ أمامه الفرص بين الجميع  ،لا فرق بين ضعيف الحال والميسور ولا تفاضل بين الجهات ولا تمييز بين الرّجل والمرأة.

لذلك لا بد من إصدار التّشريعات التي تساهم في الحد من ظاهرة البطالة وإيجاد الحلول لمسألة التّشغيل و حث مختلف القوى الفاعلة على دعمه والانخراط في مقاربة شمولية تقوم على تفعيل دور الجهات . ودفع الاستثمار في اتجاه استنباط فرص العمل وتحقيق التّوازن بين حاجيات سوق الشّغل من الكفاءات وتطلع كل الشرائح الاجتماعيّة للاندماج في الحياة النّشيطة.

ولئن اقترنت العولمة  بالتّغييرات الجوهريّة في هيكلة الاقتصاد العالمي وتغيير نظم الإنتاج وتقنيّات التّحكم والتّصرف فيه ، وتزايد الطلبات  على  التشغيل من فئة حاملي الشهادات من الشباب، فإنها تقتضي ضرورة الرقي بوظيفة التأهيل والتّوجيه المهني من عملية إرشاد تقتصر على توفير المعلومات ، إلى عمل متواصل يستند لمرجعية علميّة ويفعّل دور المستفيد في تشخيص الصّعوبات واختيار طريقة التّدخل التي تتماشى مع حاجياته و نوعية طلبه وذلك في إطار علاقة تهدف لتطوير استقلالية طالب الشغل و استثمار قدراته في مشروع مهني يخول له الاندماج في الحياة المهنية. (مكتب العمل العربى – منظمة العمل العربية ،2005).

وأمام المستجدّات المتسارعة التي حدثت نتيجة العولمة الاقتصادية، لابد ان تنهج دولنا العربية، على غرار العديد من الدّول المتقدمة، سياقا جديدا قوامه تنشيط سوق الشغل ووضع العديد من البرامج لإدماج الشّباب وتطوير مهاراتهم وتشجيع العمل المستقل وتنمية روح المبادرة والنّهوض بوظيفة الإعلام والتّوجيه المهني للحد من انعكاسات ظاهرة البطالة على السّلوك وذلك باعتماد منهجية ووسائل علمية وموضوعيّة تم الاتّفاق على دقّتها وجدواها في العديد من الدّول.

خامسا :التحصين النفسي للشباب بالتنشيط الثقافي و الأندية الرياضية و برامج التوعية.

1- التنشيط الثقافي واستغلال أوقات الفراغ:

الشباب طاقة ، وهذه الطاقة “طاقة حيوية محايدة” تصلح للخير وتصلح للشر، لذلك ينبغي توجيهها الوجهة الصحيحة في سبيل الخير وفي سبيل بناء الشخصية القوية. وكثيراًً من أشكال المرض النفسي ، مردها إلى طاقة مختزنة لم تجد منصرفها الطبيعي و الصحيح. ومن ثم لابد من أنشطة وبرامج تتناسب مع طاقة الشباب الهائلة لتسهم في توجيهها واستثمارها، وفي حمايتهم في الوقت نفسه من الانحراف. من هذه البرامج الانخراط في النوادي التربوية و الفنية والثقافية من مثل نوادي القراءة والمطالعة.

الاهتمام بوقت فراغ الشباب واكتشاف مواهبهم وتوجيهها و الحرص على تحقيق العائد البناء من قضائهم لوقت الفراغ .

و للوقاية من مشكلات وقت الفراغ ينبغي أن  تتولى الأجهزة المسئولة عن الإعلام والثقافة والرياضة والنشاط الاجتماعي رسم الاستراتيجيات الطويلة الأمد والتي تستهدف استثمار أوقات الفراغ على أحسن وجه  .

إن الحياة الروتينية و الرتابة المستمرة، مع عدم وجود مشاريع للمستقبل، أو طموحات شخصية، و العيش بحالة من الاكتفاء والخمول و الفراغ النفسي، قد يكون سببا هاما يدفع الفرد إلى تعاطي المخدرات ليهرب من ملله الذي لا ينتهي.( حصة يوسف عبد الكريم، 1997ص 21).

2-دور الأندية الرياضية :

للرياضية دور كبير في زرع الثقة بالنفس و في تقوية العقل و البدن، وتكوين علاقات جيدة مع الآخرين . والرياضة هي المجال الذي توحدت فيه كافة دول العالم وشعوبها في ممارستها والتنافس الشريف فيها. كما أنه من محاسن الرياضة ، ملء الفراغ والذي عادة ما يكون من الأسباب التي تجر الشاب إلى طريق المخدرات والانحرافات.

و تعتبر الرياضة بكامل أنشطتها وأسمائها ، بحد ذاتها ثقافة محصنة ضد السلوكيات المنافية والشاذة  ويمكن استغلال المناسبات الرياضية المحلية و الإقليمية و الدولية في التوعية والوقاية منها  وتجنيب الشباب من آفة التعاطي ، من خلال بث العبارات الإرشادية ونشرها في الملتقيات وعلى ملابس اللاعبين وإقامة المعارض التوعوية في مثل هذه الأنشطة.

ولأهمية دور الرياضة في إشغال الشباب وإبعادهم عن الانحرافات السلوكية،فلابد أن تركز كل المؤسسات الرسمية والأهلية العاملة في مجالات المكافحة والوقاية والعلاج ،على الأثر الحقيقي للرياضة في الوقاية من المخدرات وفي تحصين الشباب من الانحرافات وتعاطي المخدرات وإشغال أوقات فراغهم فيما يفيدهم ويعود على ومجتمعهم بالنفع. ولعله من المفيد التركيز هنا على:

 *كيفية تنمية وغرس حب ممارسة الرياضة في نفوس الأبناء، وكيف نشغل وقت فراغهم.

*كيفية جعل الرياضة بكافة أنواعها دافعاً للوقاية من المخدرات.

*مدى تأثير الرياضة على الشخص في الابتعاد عن المخدرات.

*الدور الحقيقي للرياضي في التوعية، ودور العبارات الإرشادية في المحافل الرياضية.

3- دور برامج التوعية:

عادة ما تتولى إدارة التربية والتعليم وبعض الجهات المختصة مثل وزارة الصحة ، وضع برامج التوعية بأضرار المخدرات  صالحة للمدارس والمستشفيات والإدارات العمومية… كما تتولى مبدئيا ، إقامة الدورات التدريبية وورش العمل والندوات والمحاضرات والنشاطات التربوية المختلفة، بهدف تنمية مهارات مشرفي الإرشاد والتوجيه وبعض المعلمين في مجال التوعية الإرشادية و الوقائية للتلاميذ ولعموم المواطنين واكتشاف الحالات وتقديم المساعدة اللازمة.

كما ينبغي أن تعمل على تزويد المدارس والإدارات بالنشرات و المطويات والأفلام الثقافية والعلمية التي تتناول أضرار المخدرات وسبل مكافحتها والتواصل مع وسائل الإعلام المختلفة لمشاركة فعاليات هذه البرامج وتكثيف التوعية بأضرار المخدرات وسبل مكافحتها في التجمعات الشبابية والمناسبات التربوية وتنظيم المسابقات الثقافية بين التلاميذ في مجالات البحوث والمقالات والرسوم واللوحات والقصص القصيرة ، بمشاركة بعض الجهات الثقافية والفنية والإعلامية … لنشر الثقافة الوقائية بين التلاميذ. (لمساوري سيدي أحمد ،2008 ).

وتبقى المدرسة هي الجهة التنفيذية في تطبيق البرامج التوعية بأضرار المخدرات، وذلك من خلال تفعيل الدور المهني للمرشدين النفسيين والاجتماعيين بمؤسسات التعليم ، في تقديم الرعاية الوقائية للأطفال والمراهقين عبر الإرشاد الفردي والجمعي المباشر وغير المباشر، في مختلف مجالات الإرشاد النفسية والتربوية والاجتماعية والصحية بما يتناسب مع سن المستهدفين. (عبد العزيز بن عبد الله العريني ،2007).

ومن هذه البرامج إقامة الندوات والمحاضرات واستثمار الإذاعة المدرسية وما يتاح من وسائل وأساليب ونشاطات متنوعة في التوعية بأضرار المخدرات بالإضافة إلى استثمار موضوعات المواد الدراسية في برامج التوعية المختلفة وفق الاختصاص وتوعية أولياء الأمور والمجتمع المحلي من خلال الجمعيات العمومية والمجالس المدرسية واللقاءات للتوعية بأضرار المخدرات وأهمية انتهاج الأسرة للأساليب التربوية السليمة لتحصين الأبناء من أخطار هذه الآفة كما أسلفنا عند حديثنا عن دور مؤسسات التنشئة الاجتماعية، وتنظيم الزيارات الميدانية للطلاب لبعض الجهات المناسبة ذات العلاقة بموضوع التوعية بالمنطقة مثل (إدارات المكافحة ومستشفيات الأمل والمعارض والقوافل المعنية) لتنمية الحصانة الذاتية لديهم من خلال تنمية وعيه الشخصي بأضرار هذا الوباء من الناحية الدينية والصحية والنفسية وتفعيل دور الجماعة الإرشادية في المدرسة في هذا الخصوص.

وكمثال على برامج وحملات التوعية في الدول العربية  ،إقدام وزارة الصحة المغربية على إصدار كتيب/ دليل يحمل عنوان ” المخدرات.. المعرفة خير وقاية” في سنة 2009، وذلك بمناسبة اليوم العالمي لمحاربة المخدرات الذي يتم تخليده في 26 يونيو من كل سنة. ويهدف الكتيب بالأساس، إلى تعميم المعلومات المتوفرة حول المخدرات والإدمان، استنادا إلى أحدث التقارير العلمية الموثوقة، فضلا عن خبرة عدد من الاختصاصيين. ويتضمن الكتيب، الذي نشر بدعم من منظمة الصحة العالمية ويقع في 68 صفحة، عدة محاور حول المواد المخدرة وآثارها ومخاطرها وكذا سبل الوقاية منها، معززا هذه المعلومات بأرقام ومعطيات، فضلا عن أماكن العلاج وطرقه المتمثلة بالأساس في الإصغاء والتوجيه والتأهيل. ويسعى الكتاب، إلى توخي الموضوعية، بهدف إقامة حوار بناء بين الشباب ومحيطهم، من خلال توفير الحجج والمعلومات الضرورية التي تمكن من الإصغاء الجيد وبالتالي المساهمة في تحصين الشباب ضد هذه الآفة.

وينطلق المؤلف من فكرة أنه ” ما من مجتمع خال من المخدرات”، كما أنه لا يوجد هناك حل مثالي في أي مكان في العالم، بل يتعين البحث بشكل دائم عن حلول وأجوبة ناجعة تتلاءم مع كل محيط، لتفادي استهلاك المخدرات.ويقدم الكتاب معطيات تفصل بإسهاب أنواع المخدرات الشائع استهلاكها، من قبيل الإكستازي والتبغ والقنب والكحول والهيرويين والكوكايين، مبرزا تأثير كل مادة من هذه المواد على الدماغ. .كما يتطرق الكتاب إلى الفعل ورد الفعل والمساعدة وكذا قبولها من خلال الاتصال بمؤسسات ومختصين في مجال محاربة الإدمان لتقديم النصائح والتوجيهات التي تساعد المدمن على تجاوز وضعيته، التي تنجم غالبا عن أسباب نفسية وسوسيو-اقتصادية في سبيل العلاج. .

سادسا : إحداث مرصد وطني أو هيئة عليا للوقاية:

نؤكد في  خطتنا هذه على ضرورة  إنشاء هيئة وطنية عليا لمكافحة المخدرات و للوقاية من الإدمان ( مرصد) في كل دولة من الدول العربية، تتمتع بالصلاحيات والموارد المالية والبشرية اللازمة،من مهامها :

– إنجاز الدراسات وتنظيم الندوات حول الموضوع . وإنشاء قاعدة بيانات وطنية مفصلة تشمل كافة المعطيات ذات الصلة مع الاهتمام بشكل خاص بالبيانات المتعلقة بالفئة العمرية المستهدفة تكون مقسمة حسب السن والنوع والمناطق الجغرافية،والمركز الاجتماعي و الاقتصادي مع الاهتمام بوجه خاص بالفئات الهشة والأكثر ضعفا مثل المراهقين والأطفال العاملين وأطفال الشوارع والأطفال المهملين،والأطفال ضحايا العنف، تستخدم فى رسم السياسات ووضع البرامج التي تكفل القضاء على المخاطر التي تعرض النشء للمخدرات.

وتوفير المعلومات للمجتمع عن المجهودات الوطنية للوقاية من المخدرات وأماكن العلاج والتأهيل والاستشارات الأسرية.

– وضع السياسات والتنسيق بين كافة الأجهزة الحكومية والجمعيات وتمثل بها الهيئات الحكومية ومختلف الجهات المعنية واقتراح تطوير القوانين والتشريعات الوطنية لحماية النشء من المخدرات وتأهيل وإعادة دمج ضحايا المخدرات.

كما يكون من مهامها العمل على إدماج جهود خفض الطلب على المخدرات ضمن الخطط الوطنية وسياسات التنمية البشرية، خاصة في مجالات الصحة والتعليم والثقافة والتربية الدينية والاجتماعية. السعي نحو توفير الموارد المالية والبشرية اللازمة إلى أقصى حدود مواردها المالية المتاحة لتنفيذ ولضمان استمرارية الاستراتيجيات الوطنية لمكافحة المخدرات  وتتبع مدى فعالية المراقبة وتقويم النتائج.

التنسيق بين مختلف الأطراف والجهات المعنية بالموضوع داخل البلد الواحد، والتنسيق وتبادل الخبرات بين الدول العربية في مجال حماية النشء من المخدرات، وحث الدول على تنفيذ الخطط الوطنية لخفض الطلب على المخدرات بحلول عام 2008 وذلك استجابة للإعلان السياسي لعام 1998. تعزيز التعاون الدولي و الإقليمي لمكافحة استخدام الانترنت في ارتكاب جرائم المخدرات.

مساعدة مختلف الجهات على طلب المعونة المالية والتقنية من منظمات الأمم المتحدة المعنية ومختلف الجهات المختصة.

دعم الجمعيات المحلية والوطنية والمؤسسات المعنية بالنشء والشباب لإعداد قيادات شبابية تساعد في توعية أقرانهم من أخطار المخدرات، ونشر ثقافة شبابية رافضة للمخدرات.

 

شكل رقم (4 ): خطاطة بأهم أهداف ووظائف المرصد الوطني للوقاية من المخدرات الذي نقترح  إنشاءه في ظل هذا المشروع ، في كل الأقطار العربية.

خاتمة:

لعل أهم ما يمكن استنتاجه من هذه الدراسة ،هو أن السياسات الوقائية وحملات الصحة النفسية وبرامج التحصين النفسي لا ينبغي أن تركّز  اهتمامها على اضطرابات الصحة النفسية فحسب، بل ينبغي لها الاعتراف أيضا وربما بالدرجة الأولى ، بالقضايا الواسعة النطاق المتعلقة بتحصين المجتمع ككل في جميع الجوانب وضد مختلف التحديات ، ثم تعزيز بموازاة ذلك الصحة النفسية ونشر برامج التحصين النفسي ، والعمل على تبسيطها وتقريبها من مدارك الأسر وربطها باهتماماتهم وانشغالاتهم اليومية.

إذن الاهتمام وبشكل مواز، بالقضايا والعوامل الاجتماعية والاقتصادية والتربوية، فضلاً عن قضايا السلوكيات. الأمر الذي يتطلب  دمج مسألة تعزيز الصحة النفسية في السياسات والبرامج على مستوى الحكومة والقطاعات الأخرى، بما في ذلك التعليم وأجهزة الأمن والعدالة والبيئة والإسكان والرعاية الاجتماعية وكذلك قطاع الصحة وبطبيعة الحال في مجالات التكوين المهني والشغل.

كما نستنتج أن الجهات التي ينبغي أن تتحمل مسؤولياتها في الوقاية من هذه الآفة الخطيرة بالإضافة إلى مؤسسات التنشئة الاجتماعية والتي فصلنا الحديث عنها ، الجهات المعنية بالتشريع وبوضع القوانين( الحكومة والبرلمان ) وبالتخطيط واتخاذ القرارات على المستويين المحلي والوطني،والتي ينبغي أن تؤثّر في تحصين المجتمع برمته ونشر الصحة النفسية بين جميع أفراده ونشر التربية الوالدية ،على مختلف المستويات وبمختلف الأساليب. مع ضرورة العمل على تضافر جهود تلك الجهات الرسمية وبقية مكونات المجتمع التي تتحمل بشكل مباشر أو غير مباشر، مسؤولية مكافحة المخدرات ووقاية الأفراد والمجتمع من مختلف أشكال الانحراف والجريمة . لذلك ألححنا في مشروعنا هذا ، على الحديث عن برنامج متكامل وشامل لتحصين الشباب وحمايتهم من المخدرات وغيرها من الآفات .

——————————————————————-

المراجع

– باهمـام علي بن سالم، 1412 هـ:” تحسين بيئة الأحياء السكنية لسلامة الأطفال “،كلية العمارة  والتخطيط – جامعة الملك سعود ، الرياض.

– بن مانع سعيد، 1410 هـ: “الأسرة: كيفية دراستها وحل مشاكلها”، مطابع الصفا بمكة.

– بسامة خالد مسلم، 1996: “علم اجتماع التربية والتنمية”. ذات السلاسل ، الكويت  .

– البكر فوزيه 2005:” مدرستي صندوق مغلق : أحدث التيارات المعاصرة في مجال اجتماعيات التربية”، مكتبة الرشد ،  الرياض.

– البهواشي السيد عبد العزيز ، 2000:” التعليم وإشكالية  الهوية الثقافية في ظل العولمة”، ضمن أبحاث مؤتمر التربية والتعددية الثقافية مع مطلع الألفية الثالثة ،. القاهرة : دار الفكر العربي .

التركي عبدا لله، 1404 هـ:” توجيهات الإسلام في نطاق الأسرة”، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، الرياض.

– جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية، 1428 هـ: أشغال ندوة :”المؤسسات التربوية ودورها في الحد من استعمال المخدرات”،المنعقدة في جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية بالرياض، 2007 .

الجوير إبراهيم، 1419 هـ: “التنشئة الاجتماعية”، ورقة بحث معدة بمناسبة أسبوع الجامعات السعودية – المغربية، وزارة التعليم العالي. الرباط.

– حدية المصطفى ، 2006 : “التنشئة الاجتماعية بالوسط الحضري بالمغرب”،ترجمة محمد بن الشيخ،منشورات مطبعة Maroc net الرباط.

– الخليفة عبدالله بن حسين. 1413هـ :”المحددات الاجتماعية لتوزيع الجريمة على أحياء مدينة الرياض”.  وزارة الداخلية، مركز أبحاث مكافحة الجريمة، الرياض.

– الدريج محمد ،1982:”أسباب انتشار ظاهرة تعاطي المخدرات “، ضمن أشغال المناظرة الوطنية حول الوقاية من المخدرات، وزارة الشؤون الاجتماعية ، طنجة،المغرب.

– الدريج محمد وعبد الوهاب النحاس،2002  :”واقع مراكز حماية الطفولة في المغرب، دراسة تقويمية” ،وزارة الشبيبة والرياضة – واليونسيف ،الرباط.

الدريج محمد ، 2004 : ” التدريس الهادف ” ، دار الكتاب الجامعي ، العين .

– الدريج محمد، 2005: “تطوير مناهج التعليم: معايير علمية، متطلبات الواقع أم ضغوط خارجية” ، سلسلة المعرفة للجميع،  العدد32، الرباط.

الربايعة أحمد،  1404هـ: ” أثر الثقافة والمجتمع في دفع الفرد إلى ارتكاب الجريمة”،  دار النشر بالمركز العربي للدراسات الأمنية والتدريب، الرياض.

– رجب إبراهيم ،1999 م: ”  مفاهيم في الوقاية من الجريمة” ، دار النشر بالمركز العربي للدراسات الأمنية والتدريب ،  الرياض.

– رشاد عبد اللطيف،2008 :”الوقاية من تعاطي المخدرات ، مسئولية من؟ ”  أبحاث جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية ، الرياض.

زنيبر عمر 2010 : “تدخل أمام الدورة ال53 للجنة مكافحة المخدرات التي انعقدت بفيينا حول موضوع «التعاون الاقليمي والدولي»  ( جريدة العلم – عدد 11-03- 2010 ).

– زهران عبد السلام ،1980:” التوجيه و الإرشاد النفسي” ، عالم الكتب ط2 القاهرة.

– القذافي رمضان محمد، 1996: “التوجيه و الإرشاد النفسي”، المكتب الجامعي الحديث ط1 . الأسكندرية.

– لمساوري سيدي أحمد ،2008 :”أسباب تعاطي المخدرات ونتائجها “،مطبعة السليكي طنجة ، المغرب.

ليلى علي، 1995: “الشباب في مجتمع متغير: تأملات في ظواهر الأحياء والعنف”،  دار المعرفة الجامعية ، الإسكندرية.

– كداي عبد اللطيف  2006:” الطفل والإعلام “، سلسلة المعرفة للجميع ،عدد 33  يوليوز2006 الرباط )

العلــوي عبد الله أبو أيــاد 2009.:” الأطفـــال ومتطلبات التحصـين ضد التصرفات الانحرافيــة” ـ ملاحظات أوليــة، بحث أنجز بالمعهد الملكي لتكوين اطر الشباب ، الرباط .

– مايسة جمعة ، : 2007 ” تعاطي المخدرات بين مشاعر المشقة وتقدير الذات “،الدار العربية للكتاب ،القاهرة .

– المجلس القومي للأسرة والأمومة ، 2005: ” المؤتمر العربي الرفيع المستوى لحماية النشء من المخدرات”، والذي نظمه المجلس بالتعاون مع مكتب الأمم المتحدة الإقليمي المعني بالمخدرات والجريمة للشرق الأوسط وشمال أفريقيا ، خلال الفترة من 12-14 يونيو 2005 بالقاهرة.

مدكري فؤاد 2010: “حوار بمناسبة اليوم العالمي لمحاربة الإدمان على المخدرات” ، نشر بمنتدى “حوار حي “،  بموقع الرابطة المحمدية للعلماء بالمغرب، الرباط ،بتاريخ 01-07-2010

-مكتب العمل العربى ، منظمة العمل العربية ،2005: ” مهام وتنظيم مكاتب التشغيل من خلال المعايير العربية والدولية” أشغال ندوة إقليمية عن دور الإرشاد والتوجيه المهني في تشغيل الشباب ، يوليوز 2005 ،طرابلس.

– عبد الكريم حصة يوسف ، :1997″مكافحة المخدرات مسئولية كل مواطن وواجب كل فرد”، محاضرة نظمتها أكاديمية نايف العربية للعلوم الأمنية ، مجلة الأمن والحياة ، عدد    177 ،الرياض.

-عبد الرازق صلاح عبد السميع،2006:” البناء النفسي والوجداني للطفل: البعد الغائب في مناهج التعليم بالعالم العربي “. في تقديمه لأشغال المؤتمر العلمي بعنوان  ( التربية الوجدانية للطفل ) المنعقد في القاهرة من 8 إلى 9 أبريل 2006.

فتحي مجدي 2010 : “مبادرة متفردة لمواجهة “إباحية” الإنترنت والفضائيات”، موقع مفكرة الاسلام – 2010-11-08 .

– العثماني سعد الدين، 2009 :”معايير الصحة النفسية “جريدة  المساء”،العدد 966 الخميس 29 اكتوبر 2009 الدار البيضاء – المغرب.

– عرموش هاني ،1993:”المخدرات ، إمبراطورية الشيطان”، دار النفائس، بيروت .

– العريني عبدالعزيز بن عبدالله ،2007: “جهود المدارس الثانوية في منطقة الرياض بالتوعية بأضرار المخدرات”. جامعة نايف للعلوم الأمنية – ( ١٤٢٨ ه / ٢٠٠٧ م)الرياض

سلمان سعيد، 1985: “وقائع ندوة التحديات الحضارية والغزو الثقافي لدول الخليج العربي”،   مكتب التربية العربي لدول الخليج ، مسقط.

-شكور جليل وديع، 1998: “أمراض المجتمع: الأسباب، الأصناف، التفسير الوقاية والعلاج”،  الدار العربية للعلوم، الطبعة الأولى، بيروت.

-الشنبري الشريف حمود بن هزاع ،2008:” العوامل النفسية ذات الصلة باستعمال المخدرات”،أبحاث جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية ،الرياض.

– الشرقاوي مريم محمد إبراهيم،  2000:” أساليب تعزيز الهوية في مواجهة الهيمنة الثقافية” ، رؤية معاصرة لإدارة التعليم” . ضمن أبحاث مؤتمر التربية والتعددية الثقافية مع مطلع الألفية الثالثة ، دار الفكر العربي ، القاهرة .

– وزارة التربية والتعليم،  1429 هـ:”التحصين ودور المربين “، تعليم البنات وكالة التعليم، الإدارة العامة للتوعية الإسلامية – الرياض.

وزارة الصحة ، 2009:” المخدرات.. المعرفة خير وقاية”(دليل للتوعية ) الرباط.

 

————————–

ملحوظة : شارك المؤلف بهذه الدراسة ، والتي لم يسبق نشرها من قبل، في الندوة العلمية حول:” حماية الشباب من المخدرات ” ، التي نظمتها جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية بالرياض  ، بتاريخ  23/21-– يونيو  2010 ، بجامعة الجزائر.

 

 

 

 

2018-01-01 2018-01-01
المدرس