الباكالوريا بين جرم الإنجاز وحزم المراقبة

آخر تحديث : الخميس 12 يونيو 2014 - 8:50 صباحًا
الباكالوريا بين جرم الإنجاز وحزم المراقبة

إنها الساعة الأولى ،حيث المادة الأولى، ووقت دق الجرس قد حان، إعلانا عن الشروع على بركة الله في التعامل مع معطيات الامتحان، و ساد صمت مطبق شبه مقدس أجواء المكان، ماعدا صرير أقلام يستبد بالآذان، يشفعه بين الفينة و الأخرى خرخشة ورق، أو سعلة أو عطسة تعبران السبيل بين آن وآن، أو جلبة أقدام تترجم تقلب الجالسين وهم يدرؤون عنهم تحمل عبء الزمان والمكان، و يطلبون الترويح عن النفس و الوجدان.

كذلك كنت أرى المشهد وأحس بمن في خضمه و أنا جالس أمام الطلبة أرقب ، و أمعن في المراقبة والترقب، أنظر بعينين تكادان تكونان حربائيتين إلى الشمال طورا، و طورا إلى اليمين و هما في كل الاتجاهات تحملقان، و نظراتي قد جعلتها تشي لطلبتي بحزم صارم لاهوادة فيه،ثم إذا بأحد من هؤلاء يكف عن القراءة وعن الكتابة ،فيضع كافة وجهه بين يديه،حتى إذا أجهده الأمر و لم يجد من تلك السبيل ضالة، التفت إلى اليمين و إلى الشمال التفاتة الكرام، ثم رفع إليّ بصره بعينين، بصمت بليغ تنطقان، و لوسيلة مّا صوب غاية في نفسه تلتمسان، لكني سرعان ما تصديت لهما بعينيّ، و كم كان صمتهما أبلغ، توحيان له بانسداد الطرق غير المشروعة التي تفضي إلى كل غاية مرصودة غير مشروعة، و تكرسان روح مقول الحكمة:”عند الامتحان يعز المرء أو يهان”، ولسان حالهما يقول:

– إنني يا ولدي هنا أراقب، و أمنع كل حركة فيها تصريح أو تلميح بغش أو اختلاس،فانظر ماذا ترى؟

وكأني به يرد: – لكني بحاجة إلى بعض الغش و الاختلاس أتطعم به عملي،وأضمن به نجاحي ،ولا أريد أن أكون محروما منه، فقد كاد الجمع في تقديراتنا – نحن معشر المترشحين للامتحانات،كبارا و صغارا- يُجمع على أن ذلك حق.

ثم أرد محتجا ومنفعلا، و لسان حالي يقول: – ألم تنظر أمامك ،ما ذلك الملصق المثبت على السبورة؟ أليس في ذلك تذكير لك و لغيرك بأن الغش ممنوع، و أين أنت من هذا الشعار الذي رفعته الوزارة هذا العام، و وضعت له شارات خاصة، و رصدت لإخراجها ميزانية، وكرست من أجل تفعيله مجهودات ،وزينت بها صدور المسؤولين المتتبعين و المشرفين على عملية إجراء الامتحان؟ أو ما زلت مصرا على فتح نافذة للإغاثة من الغش؟

وفي تنهيدة لا مبرر لها يجيب،رغم أن في رده وقاحة وجرأة غير مباحة: – و الله يا أستاذ ما أنا بكاره،دعني أستجب لرغبتي،فأنا أنظر إلى حاجتي هذه في ساعتي، و في ساعة أخرى، في المستقبل بطبيعة الحال، مدبرها حكيم، و سوف أحاول اجتناب الغش و منع الآخرين منه.

و في نوع من السخرية التي انتابتني من هذا الموقف، رددت صارخا،كصراخ الميت بعد أن يدفن، يسمعه كل شيء إلا آذان البشر: -هذا مستحيل، أنت تعجن بالغش و تخمر به وتطبخ به، ثم تدعي أنك تمتنع عن أكله و تمنع الآخرين عن ذلك، ألا تعرف أن من شب على شيء شاب عليه؟ و في توسل صارخ يتنافى مع كل مقاييس النزاهة ، و يصطدم بكل فلسفات المنطق،

يسترسل في الطلب ويلح، و هو يقول: – وهل كل مَن، وكل ما حولنا منزه عن الغش !؟

فأجبت منكرا: – و رغم ذلك.ألم يأن لنا و لهم جميعا أن نجعل محاربة الغش، و التربية على ذلك في صلب برامجنا و مبادئنا و أهدافنا و سياستنا التعليمية،وأنت تعرف أن من غشنا ليس منا؟ .

إلا أنه يرغب عن هذا الوعظ ويبدي رغبته الملحاحة في مطلبه الذي يشد عليه بالنواجد،وهو يقول: – وما بالك وعلمك بالساحة الوطنية في هذه اللحظة، و بما تعج به من عجيج و قض و قضيض،سوف يضرب فيه الضاربون ذات اليمين وذات الشمال، و لسوف يكون عند جهينة الخبر اليقين… ولما و ضعت الحرب أوزارها في نهاية شوطها الأول، صدق الحدس، وحكت جهينة الخبر اليقين…

2014-06-12 2014-06-12
أحمد طاهيري