المدرسة و تغيير العالم ..

آخر تحديث : الخميس 18 يناير 2018 - 9:47 مساءً
المدرسة و تغيير العالم ..

كان كارل ماركس محقا حينما قال قولته الشهيرة: ” لم يعمل الفلاسفة حتى ألان إلا على تفسير العالم ،في حين كان المطلوب منهم هو تغييره”. إنها نفس المقولة التي يمكننا أن نطلقها على واقعنا التعليمي المريض لعقود عديدة ، حيث لم يعمل واضعو السياسة العامة و الخبراء و مهندسو القطاع و باقي الفاعلين في مجال التربية والتكوين و الإعلام و الاقتصاد و…. سوى على تشخيص الداء الذي أصاب جسم منظومتنا التربوية ، وهذا ما جعل فريق منهم يربط الأزمة بالمقررات و المناهج الدراسية ، فيما رأت جهات أخرى أن الإشكال ذو علاقة وطيدة بالمقاربات و الطرائق البيداغوجية التي تمرر بواسطتها التعلمات و المعارف إلى أذهان المتعلمين ، فيما أكدت لجن أخرى على بعد المؤسسة التعليمية عن مكان سكنى التلاميذ ، مما يدفعهم إلى التأخير و التكرار ثم التسرب الدراسي.

هذه النظريات و الدراسات السوسيونفسية والسوسيولوجية و السوسيوثقافية ، شع نورها و تبلورت وقائعها بشكل اكبر مع التقرير التاريخي الذي خرج به المجلس الأعلى للتربية و التكوين ، حينما سلط الضوء على أهم الاختلالات التي تعيق نجاح منظومتنا التربوية ، و في مقدمتها: ظاهرة الاكتظاظ و التأخر و التكرار و الهدر المدرسي، باعتبارها تحديات و معضلات تربوية لا تقف عند حد تقويض العملية التدريسية في الحاضر، و إنما الأمر يمتد إلى أكثر مما نتوقع او نتخيل ، أي أن آثارها ستكون وخيمة على مستقبل المدرسة العمومية بشكل عام . وهذا ما تنبأ له استاذنا الكبير السيد عبد الرحمن اليوسفي في إحدى المناسبات السياسية ( كذكرى اختطاف الشهيد بنبركة يوم 29 أكتوبر من كل سنة ) التي يحييها الحزب تكريما لمناضليه و مناضلاته واعترافا بتضحياتهم و مجهوداتهم حين قال: إشكالية المنظومة التربوية معضلة ازدواجية ، لأنها تخص الحاضر و المستقبل “.

تأسيسا على كل المخططات التي أفضىت إليها كل مكونات الأمة المغربية ( الميثاق الوطني للتربية و التكوين و المخطط الاستعجالي و الخطة الاستراتيجية 2015- 2030) و في خضم كل الإشارات الملكية السامية لجعل قضية منظومتنا التربوية ثاني أولوية بعد أولوية و حدتنا الترابية ، و في إطار كل المبادرات القيمة و الهادفة التي أطلقتها وزارة التربية الوطنية في هذا الصدد بدءا بالاشتغال بيداغوجيا الإدماج و الكفايات مع الخبير الدولي جزافيي روجرز و مرورا بالإجراءات التربوية البديلة التي تستهدف الكيف و النوع ووصولا الى الخطة الاستراتيجية2015-2030 م ، يلاحظ جليا أن المقاربات التي اشتغلت على إيجاد العلاج و الحلول الممكنة للازمة الحاصلة ، طغى على نظرتها و تحليلها، الجانب التكويني المعرفي ، مما جعل مؤسساتنا تشكو الفراغ المهول في القيم الإنسانية و الأخلاق المثالية ، فغدت مسرحا للعنف و الفوضى و التحرش والتدخين و باقي السلوكات اللامدنية و المتمثلة أساسا في الكتابة على الجدران و الاعتداء على ممتلكات المؤسسة و تشويه إشعاعها التربوي و الجمالي و الرمزي التاريخي . و ما الاعتداءات المتكررة التي أضحت نساء و رجال التعليم يتعرضون له ، إلا دليل صادم على اندحار وظيفة التربية التي تقوم بها الأسرة من جهة ، و موت التاريخ الرمزي للأستاذ الذي ظلت الأجيال الكونية تتوارثه لعصور و سنين ساحقة .

و حتى يبقى الأمل و التفاؤل يعمان أرجاء البلاد و نفوس الآباء و قلوب ابنائهم صغارا و كبارا حسب مستوياتهم و مسالكهم الدراسية ، وحتى لا نبقى متفرجين كما يقول بيرناندشو، و حتى لا نقع فريسة لنظرية ايفان ايليش المفرطة في التشاؤم ” مجتمع بلا مدرسة” او في الوصف الذي نعت به المفكر سبيز الشعوب التي لا تتوق إلى تحقيق التنمية ، حيث نعتها بالمجتمعات العفوية ، أود أن أقدم هذه المقترحات لعلها تشكل المدخل الأساسي لمعالجة وضعنا التعليمي ، والركيزة القوية للنهوض بالمتعلم المغربي و الإقلاع بمدرستنا العمومية إلى بر الأمان .

هذه المقترحات أصوغها على الشكل التالي :

1-اعتبار التعليم مدى الحياة قضية حيوية ومصيرية، لأنها ترتبط – كما سلفت الإشارة- بالحاضر و المستقبل .اذ لا يمكن للبلاد أن تحقق نهضتها و تنميتها المستدامة إلا بفضل نظامها التعليمي.

2- التعليم قطاع منتج ، رغم كل المزايدات و الآراء السياسوية التي ترى العكس.

3-إصلاح التعليم هو رهان مجتمعي / مستقبلي . و يكفينا إشارة الى ماحققته اليابان وارويا وماليزيا في هذا الصدد.

4-إرساء القيم الكونية بفضاءات مؤسساتنا التي تقوم على : التشارك و التسامح و التعايش واحترام الآخر و التربية على الحقوق و تحمل المسؤولية .

5- الانتقال من تعليم التكرار و الإلقاء إلى تعليم الملاحظة و ابداء الموقف و المواجهة و الإنتاج

6- تعزيز آليات انفتاح المؤسسة التعليمية على محيطها الخارجي.

7- تعزيز التربية على الاختيار و الاستقلالية لدى التلاميذ ، و تقوية ادوار الفرق البيداغوجية داخل المؤسسات .تماما كما يرى فليب بيرنو .

8- تشجيع المبادرات الحرة و تحفيز أصحابها .

9- اعتماد المقاربات البيداغوجية الحديثة المبنية على التواصل الايجابي وعلى رأسها المقاربة بالبيداغوجيا الفارقية .

10- اعتماد المؤسسة برامج الأنشطة الموازية و الرحلات المدرسية و الزيارات الميدانية حسب ما تقتضيه بعض مكونات المنهاج الدراسي . لان ماحققه فرينيه وكوزيني ومنتسوري و مكارينكو و الكسندر نايل في هذا الباب لجدير بالاهتمام و التأسي.

11- تفعيل مضامين الميثاق الوطني و مقتضيات المعاهدات الدولية و على رأسها الاتفاقية الأممية ، لجعل التلميذ يحقق مصلحته الفضلى ، باعتباره رقما متميزا في عملية الإصلاح المنشودة . إن رهان الخروج من هذه الوضعية الحرجة، يقتضي منا إعادة تنظيم الحقل التربوي الوطني على أسس صحيحة ، على أساس تمكين النموذج المتوصل اليه – في النهاية- من المنافسة الإقليمية و الدولية.

2018-01-18
الحسين وبا