العنف المدرسي، الأسباب والتجليات..

آخر تحديث : الجمعة 29 ديسمبر 2017 - 5:39 مساءً
العنف المدرسي، الأسباب والتجليات..
الحسين النبيلي

أصبحت ظاهرة العنف المدرسي تستأثر باهتمام الرأي العام المحلي والوطني بل والعالمي أيضا، بل وتستفز كل متتبع للشأن التعليمي المغربي.

فالظاهرة أصبحت عنوانا لفشل المؤسسة الأسرية والمنظومة التعليمية وغياب آليات الضبط المجتمعي؛ من تقاليد وأعراف وقيم وقوانين، وشرُّ مثال على ذلك، آخر اعتداء من بين رزمة من اعتداءات أخرى في حق أساتذة وأستاذات آخرين، تعرضت له أستاذة من طرف تلميذ، تسبّب لها في جرح غائر في وجهها، فيما حُكم عليه بالسجن، ليُطرح السؤال عن مَنْ هو الضحية  في هكذا وضع؛

 هل الأستــاذة أم التلمــيذ؟

يبقى الجواب على هذا السؤال صعبا لتشعُّب زوايا معالجته، واختلاف رؤى مقاربته.

فبالأمس القريب كانت المدرسة امتدادا للأسرة تواصلا مع الشارع، فيُشكلون بنْية يُكمّلون بعضهم البعض فينتج عنها الشخص السوي الموافق لقيم وأعراف مجتمعه ودائرته.

اليوم، أصبحنا نُعاني شرْخا واضحا بيْن ما هو أسري ومدرسي فتهتّكت القيم وضاع الاثنان وسط هجوم ما هو ضد الأخلاق واستهدافها، وتفسّخت العلاقات، فأعطتنا عنفا مركّبا وصل في كثير من الأحيان ضد الأصول والعجائز والأطفال والرُّضّع، و الأستاذ وضدّ كل ما هو ما متعارَف عليه.

ولفهم الظاهرة لابد من التعريف باللفظ والبحث في أسبابه سواء منها الأسرية والمجتمعية والنفسية..

تختلف التعريفات حول العنف باختلاف الزاوية التي تم بها تناول هذا الموضوع وباختلاف المرجعية الفكرية وواقع تجلّي الظاهرة، فكلمة عَنَّفَ أصلها من الجذر اللغوي عَنَفَ وتعني الخرْق بالأمر وقلة الرّفق به، أما في اللغة الإنجليزية فكلمة (VIOLENCE) مأخوذة من الكلمة اللاثينية (VIOLENTIA)  وتعني استخدام القوة المادية بطريقة قانونية وغير أخلاقية بهدف إيذاء الآخرين والإضرار بممتلكاتهم1.

أما العنف المدرسي فهو سلوك عدواني صادر من التلاميذ اتجاه بعضهم أو اتجاه الأساتذة، ويتسبب في حدوث أضرار جسدية أو نفسية أو مادية بما يتضمنه من هجوم يرافقه اعتداء بدَني، كالشّجار بين التلاميذ، وتخريب ممتلكات الآخرين، والمرافق المدرسية، أو اعتداء لفظي بالتهديد، والمشاغبة، والشتم، والتنابز2.

وتقول بعض المراجع أن فرويد يرُدّ العنف إما لعجز(الأنا)عن تكييف النزعات الفطرية الغريزية مع مطلب المجتمع وقيَمه ومُثله ومعاييره، أو عجز الذات عن القيام بعملية التسامي أو الإعلاء، من خلال استبدال النزعات العدوانية والبدائية والشهوانية بالأنشطة المقبولة خُلقيا وروحيا ودينيا واجتماعيا، كما قد تكون (الأنا الأعلى) ضعيفة، وفي هذه الحالة تنطلق الشهوات والميول الغريزية من عقلها حيث تتلمس الإشباع عن طريق العنف.

كما يرى فرويد أن دوافع السلوك تنْبع من طاقة بيولوجية عامة، تنقسم إلى نزعات بنائية (دوافع الحياة) وأخرى هدّامة (دوافع الموت) وتُعبّر دوافع الموت عن نفسها في صورة دوافع عدوانية عنيفة، وقد تأخذ هذه الدوافع صورة القتل والحقد والتجني ومقر دوافع الموت أو غريزة التدمير أو اللاشعور.

في حين ترى الفرويدية الحديثة أن العنف يرجع إلى الصراعات الداخلية والمشاكل الانفعالية والمشاعر غيرالشعورية بالخوف وعدم الأمان وعدم المواءمة والشعور بالنقص، وغيرها من التعريفات التي تُرجع الأسباب إلى الكبت كالنظرية الإحباطية وأخرى تربط العنف بالتعلم الاجتماعي بحيث يكتسب الطفل هذا السلوك العدواني من خلال محاكاة الوالدين في حل مشاكلهم بالعنف، أو تشجيعه في معاملة زملائه بالضرب، أو تعنيفه هو بهدف طاعة الأوامر.

كما تجِدُ هذه النظرية أن العنف مصدره المدرسة وذلك في ممارسة الأستاذ العنف ضد التلاميذ، بهدف التربية والتهذيب، وأيضا في وسائل الإعلام من خلال الألعاب القتالية المُوجَّهة للأطفال والبرامج والرسوم المتحركة المتمركزة على العنف والقتال والانتقام، بهدف التسلية والترفيه.

وإجمالا فأغلب النظريات والتصورات تكاد تُجمع على أن أسباب العنف تكمُن في التنشئة الخاطئة داخل الأُسْرة نتيجة التفكك والفقر والحرمان، والقمع الفكري للأطفال بمبدأ هذا حرام وهذا حلال دون تفسير أو إقناع، والتمييز بين الأبناء في التعامل، وعدم الاستقرار النفسي والمادي، والإحساس بالقهر..

أمّا داخل المجتمع فنختصرها في تفشي العنف في الشارع وتكريس مبدأ الأقوى، وتمَثُّل أفلام “الأكشن” والجريمة ومحاكاتها على الواقع، والعنف الممارس من طرف السلطة على الفرد، وكذا المدرسة لتسهيل التلقين والتهذيب والانضباط.

التهميش عامل محوري حيث يَكثُر العنف في المناطق المهمَّشة والتي على الهامش، والمحرومة من أبسط الوسائل الضرورية، تجد ساكنيها يُمجدون العنف ويمارسونه على بعضهم البعض وخصوصا الأطفال والنساء، وكذلك غياب مرافق الترفيه والنوادي الرياضية، وتفشي الفراغ القاتل والبطالة والأمية..كلها وغيرها من العوامل تساهم في خلق الشخص العنيف العدو لما يحيط به فيُمارِس العنف على نفسه وعلى الآخرين بما فيه الجماد كالاعتداء على الممتلكات الخاصة والعامة مُبرّرًا ذلك السلوك بردة فعل ضدها وعن جهل أنه هو من يُؤدي ثَمنَها، نفسية تُفضي كذلك إلى الارتماء في أحضان المخدرات والحبوب الهلوسة فتجعل الشخص غائبا عن الوعي ومصدر خطر على الكل، ثم التسكع والتشرد، أو الإجرام بجميع مقاييسه.

إن ما نلاحظه من خلال ما تقدّم أن العنف بعموميته والعنف المدرسي مرتبطان، لا يمكن فصل الأول عن الثاني، كما أن الأسباب تتباين وتختلف، لنجدنا أمام سؤال: هل من حلول؟

فكما كان مبحث أسباب تفشي ظاهرة العنف والعنف المدرسي متباينة ومتداخلة ومتشابكة أيضا، تبقى الحلول كذلك كثيرة ومتشعبة وتبرير نجاعتها صعب جدا.

تأتي أولى الحلول في سياق هذا الموضوع، وكلها تتسم بالطابع الوقائي في الحد من الظاهرة، وذلك بتكثيف حملات التحسيس بنبذ العنف وإشاعة مبدأ التسامح، ونشر ثقافة تعلُّم حقوق الإنسان وليس تعليمها؛ عقد لقاءات وفتح نقاشات مع الأولياء والأمهات والآباء وإبراز أن المدرسة فضاء للتعليم والتعلم واستكمال للتربية وأن الأسرة نواة تربية الأبناء على الأخلاق الحميدة والمبادئ العليا بالحوار والإقناع ونبذ أسلوب الضرب للتلقين، وتوجيههم إلى تحمّل مسؤولية تربية الناشئة لتسهيل مهمة المُدرّس؛ الذي هو في حاجة ماسة إلى ردّ الوضع الاعتبار المعنوي والمادي الذي كان عليه كرسول يؤدّي رسالة تحترمها كل الحضارات،وتحفيز الأسَر للتنسيق بين المكونيْن.

ومن جانب الدولة، توفير فضاءات ترفيهية للأطفال واليافعين والشباب، وبناء دور الشباب واسترجاع زخمها وتوهجها كما كانت عليه في السابق في سبعينات وثمانينات القرن الماضي، لاستثمار المهارات الفنية والثقافية والحس حركية والفكرية، وتدريبهم على نبذ كل أساليب العنف وضبط الذات وتقييمها وتنمية مهارات التعامل الاجتماعي وحل المشكلات، وإفهام الأطفال اليافعين أن الرجولة لا تعني أن تكون فظا غليظ القلب؛ محاربة الألعاب والأفلام والرسوم التي تُشجّع على العنف وتدعو إليه، واستبدالها بأخرى تسعى إلى نشر قيم الإنسانية ومبادئ السلام والتسامح واحترام الغير؛ تحفيزهم على قراءة القصص؛ تنظيم ندوات ورحلات ..

تذكيرهم دائما بعدم التعامل مع العنف بعنف مضاد بل تدريبهم على ضبط النفس، وإكسابهم مهارات الحوار وتمكينهم من دورات تكوينية للتمكن من آليات السلوكية منها والعقلانية الانفعالية والمعرفية، والإنسانية، والسلوكية الحديثة؛ تنظيم ورشات للتواصل والإنصات لمن يعانون من سلوكات عدوانية؛ حثّ الأسرة والمدرسة والشارع والعاملين في المجال الأمني على نبذ العنف عبر الوسائل السمعية البصرية ومواقع التواصل الاجتماعي، والتنسيق مع الإعلام بجميع تلاوينه، لتوعية المتلقي بضرورة نبْذ العنف لما فيه من انعكاسات خطيرة قد تعصف بالمجتمع برمته.

المراجع:

  • فاطمة كمال محمد “العنف المدرسي عند الأطفال وعلاقته بفقدان الوالدين، ص185 بتصرف.

  • زهرة مزرقط “دور مستشار التوجيه في التقليل من ظاهرة العنف المدرسي، ص 50 بتصرف.

2017-12-29 2017-12-29
الحسين النبيلي