أكبر العنف الممارس في التعليم وزاري؟؟

آخر تحديث : الثلاثاء 28 نوفمبر 2017 - 8:34 مساءً
أكبر العنف الممارس في التعليم وزاري؟؟

من جديد، تثير اليوم وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي وبقوة أحداث العنف الفظيع الممارس في قطاع التعليم،والذي كان أبطاله هذه المرة تلاميذ ضد تلاميذ وتلاميذ ضد أساتذتهم بل وزارة ضد أساتذة ومديرين،قبلات مكناس و لكمات ورزازات ودماء الرباط و”تشرميل” وإعفاءات البيضاء..،أحداث عنف فظيع ومتزامن في أسبوع واحد يكاد اليوم يرسم عنوان المدرسة المغربية  بأنها “وكر العنف والفوضى وانهيار القيم والأخلاق”،رغم أن الأمر في الواقع ليس ولم يكن يوما كذلك،ولكن فظاعة الأحداث وكونها مرفوضة ولو كانت حالة واحدة،كل هذا يهدر كرامة منظومتنا التربوية ويساءل دون جدوى ومع الأسف كل السياسات الحكومية والاجتماعية في هذه البلاد الطيبة المباركة؟؟.

         وخلاصة العنف كما يعرفها السوسيولوجيون وعلماء النفس،ما هي في الحقيقة إلا تمظهرات لسلوك رفض الآخر وعدم القدرة على التعايش والتسامح مع الآخرين،والعنف انسداد لسبل الحوار والتواصل والإقناع بين الناس وهدر للحقوق والعقود المتعاقد عليها وفتح لسبل التوتر والشدة والقسوة والفظاظة اللفظية والنفسية والبدنية..،سواء بالطرد التعسفي والتنقيل التأديبي والتآمر الظاهر والخفي بقطع الأرزاق ولي الأعناق أو بتبادل التحقير والإهانة أو السباب والشجار أو الضرب والجرح إن لم يكن الاغتصاب والاغتيال؟؟.وكما يعلم الجميع أن العنف بهذه المواصفات منتشر في حياتنا العامة ومتفاقم وله أسباب متعددة تؤسس له وتصورات فكرية تنتجه وظروف وهواجس اجتماعية تغذيه وتوجهه وسياسات حكومية لا تعمل إلا على إنتاجه ورعايته وتعميمه بدل تجريمه والوقاية منه والحد منه ومحاربته،لكن في اعتقادي يظل العنف بكل أشكاله مرفوضا في كل المجالات وفي كل المجتمعات ومرفوضا أكثر وأكثر وبالمطلق في المجال التعليمي الذي يتنامى فيه عندنا مع الأسف؟؟.

         ويظل العنف في الوسط المدرسي متعدد الأطياف من العنف الموجه من التلميذ(ة) ضد زميله التلميذ(ة):استقواء واحتقار وابتزاز واشتباك وتحرش وإرغام والغش والسرقة والكذب والشغب والضرب…؟؟،إلى العنف الممارس من طرف الأستاذ على التلميذ على أساس ربما أن التربية ومنذ القدم وهي مرتبطة عند العديدين بالعقوبة وأن ضبط القسم وتدبيره قد سار عليه المثل الشعبي:”نهار الأول كيموت المش”و”العصا لمن عصا”،فإذا بالعنف يتلعلع في الأقسام ألفاظ إهانة وسلوك تحقير وضربا وتمييزا وطردا ورفضا ومنعا وتأديبا تعسفيا و…و…؟؟.وكل هذا تتناوله بعض القوانين والمذكرات والاجتهادات الإدارية لتسوية المشاكل وتهدئة الأوضاع،ولكنها في الواقع مجهولة على أوسع نطاق وفي الغالب لا تطبق،ومن عول عليها كمن يعول على التلفزة المدرسية في تربية الأجيال؟؟.

         غير أن أفظع العنف الممارس في قطاع التعليم كما يراه العديد من المحللين والمهتمين والباحثين والذي لا يطرح للنقاش مع الأسف وكأنه قدر الجميع،أو كأنه لقيط ممسوخ ومدمر تطفل وتهجم بغير رحمة على القطاع وابتلي به وليس له والدين فيشتكى إليهما ولا أولياء له فيتحاور معهما ولا قضاة فيتقاضى بشأنه إليهما ولا أية جهة مسؤولة فيتحاور بشأنه معها ويناضل ضدها؟؟،أفظع العنف الممارس في قطاع التعليم هو الموجه من طرف الوزارة وسياستها المتردية إلى المنظومة التربوية ككل،وعلى رأسها الشغيلة التعليمية قبل التلاميذ والفضاءات والمناهج والسياسات وغيرها،ومن الخبث أنها تتبرأ من الأمر وتتوارى إلى الخلف وتجبر الإدارة التربوية على التنفيذ بل وتحاسبها على ذلك أشد محاسبة قد تصل إلى الإعفاء أو التنقيل التعسفي والتأديبي،وإن كان بعض الإداريين أنفسهم وبفعل التطبيع يجعلون من ممارسة العنف مهامهم الأساسية وينتشون بذلك حتى يجعلوه ربما مهامهم الوحيدة: مذكرات..استفسارات..اقتطاعات..اجتماعات ومجالس فارغة..استفرادات بالقرار..خضوع لشطط وتأويل بعض الدوائر..أذان صماء..لا حوار..لا إقناع..لا قضاء أغراض..لا حل مشاكل..لا..لا..لا..،وكأنهم “جلادون”أو مجرد “رباعة”عند الوزارة؟؟.

  • نقص في عدد البنايات التعليمية وعدد الأساتذة وغيرهم من الموارد البشرية اللازمة.
  • إقرار بالاكتظاظ في الأقســام إلى درجة لا تطاق ويستحيل معها الفعل التربوي السليم.
  • كثافة المقررات وطابعها التجريدي مع ما يطبعها من عدم التجديد والمواكبة ولعقود.
  • كثافة حصص الأستاذة،و ترسيم ما تطوعوا به من الساعات في إطار التضامن الوطني.
  • إزالة التفويج عمليا في المواد العلمية،والفرض الأحادي لإعادة فرنسة تدريسها بعد عقود.
  • ضعف توفر وسائل التوضيح و فقر الموجود من المختبرات إلى العتاد التجريبي والمحضرين.
  • الانتقال المزاجي والصفقاتي بين كل بيداغوجيات العالم دون الاجتهاد على أي شيء وطني مفيد.
  • غياب النقل المدرسي في العالم القروي وقلة الداخليات مما ينتج الهدر المدرسي والاضرابــــات.
  • محيط مدرسي موبوء بمروجي المخدرات وقناصي المتعة الحرام في غياب الأمن وشرطة الأداب.
  • اضطرار الآباء لمرافقة أبنائهم القاصرين ذهابا وإيابا إلى المدرسة أو تحمل أعباء النقل المدرسي.
  • أسـاليب التقييم المبنية على التوجس وفقدان الثقة والمؤدية إلى التمركز حول فظـاعة النقطة ولو بالغش.
  • النجــاح المرتبط بالخريطة المدرسية والمقعد الفارغ بدل الكفاءة العلمية والمهارات والقيم والأخلاق.
  • استمرار السياسة التقشفية غير المنتجة للقطاع واستمرار التدبير الأمني الضيق لموارده.
  • السياسة المرفوضة لفرض التوظيف بالتعاقد والزيادة في سن التقاعد رغم رفض النقابات.
  • الحرمان من الدراسة الجامعية وغياب التكوين القانوني للإطار التربوي والتلميذ على الســواء.
  • غياب وتدني الخدمات الاجتماعية في القطاع مقارنة بغيره من القطاعات الفلاحية والأمنية والقضائية
  • التضييق على الممارسة النقابية وبداية محاسبة الناس على العقائد والانتماءات بدل الأعمـــــــال والكفاءات.
  • اليأس من الحركة الانتقالية وانسداد الأفق في الترقي وتغيير الإطار ولو بعد سن الشيخوخة والمرض،مما أنعش بعض الحلول الترقيعية ومحاولات النجاة الفردية في القطاع.
  • رداءة المنتوج التربوي مقارنة بما تضمنته المواثيق أي تلميذ وأستاذ نريد وأي فضاء ومجتمع نحتاج،ناهيك على غياب وضعف المتابعة والمواكبة الميدانية.
  • عدم ملائمة مخرجات الحقل التربوي لمدخلات سوق الشغل،إلى درجة قد لا يستفيد الطالب من كل سنوات دراسته شيئا،أو يضطر لإعادة كل شيء من الصفر إذا ما أتيحت له فرصة الهجرة إلى الخارج مثلا.
  • مذكرات لا تجرء على معالجة جوهر الإشكالات،وتتمركز حول المظاهر وضجيج الأرقام،خاصة في مجال العنف وهي تحمي حتى غير المنضبطين من التلاميذ وتفتح فواهة الرشاش في وجه الأساتذة بعدم طردهم وعدم تكرارهم وعدم رفض عودتهم ولو بعد التثليث،إلى غير ذلك من أوجه سحب القرار من أهله.
  • طغيان المركزية وهدر زمن المراجعة والعدول عن بعض المذكرات المتجاوزة بعد تفاقم ضحاياها،وغياب وتمييع آليات تلك المراجعة الحتمية،كضحايا النظامين الذين لا يزالون يجترون معاناتهم لعقود ومنهم من مات وانتقل إلى دار البقاء ومظلوميته لا تزال على ظهر الدولة عالقة.

وهكذا تظل الوزارة بسياساتها وتدابيرها وهواجسها وفراغاتها وإكراهاتها هي المسؤولة الأولى عن العنف التعليمي،ولتعترف بذلك أو لا تعترف،ولتعمل على تجاوز ذلك ومحاربته والوقاية منه أو لا تعمل،فيكفيها خلاصة أن العنف لا يولد إلا العنف،ولتأخذها قاعدة أن العنف المجتمعي بقدر ما هو منتشر في حياتنا العامة، وبقدر ما يؤسس ويساهم بقوة في العنف في قطاع التربية والتعليم،بقدر ما يمكن أن يكون هذا القطاع هو كذلك المدخل الواسع والمحمل الجاد لمحاربة العنف في المجتمع ككل وتخليص الناس من كل مآسيه ومعضلاته،فمتى نقر في تعليمنا بثقافة الحقوق والواجبات والتربية على المواطنة والسلوك المدني والحب والأمن والسلام؟؟.

2017-11-28
الحبيب عكي