الدريج: واقعة ورززات ، “الشجرة التي تخفي الغابة “

آخر تحديث : السبت 11 نوفمبر 2017 - 2:01 صباحًا
الدريج: واقعة ورززات ، “الشجرة التي تخفي الغابة “

في هذا الحوار يصف الأستاذ محمد الدريج حادثة الاعتداء على أستاذ بمدينة ورززات، “بالشجرة التي تخفي الغابة”، والمتمثلة في انتشار حالة من التدهور و الاضطراب النفسي و التربوي و الأخلاقي ، في منظومتنا التربوية وفي مجتمعنا ككل. وفيما يلي نص الحوار:

س : في البداية نريد ان نعرف رأيكم فيما أصبحنا نلاحظه من تفشي ظواهر العنف في المدارس وآخرها العنف والسلوك الشنيع الذي مارسه أحد التلاميذ على أستاذه وعلى مرأى من زملائه التلاميذ ، بثانوية بمدينة ورززات ؟

ج إن هذا الحادث المؤسف والمؤلم ، ينبغي أن يدان بشدة وعلى نطاق واسع وبالفعل هذا ما لاحظناه ،فقد بادرت العديد من النقابات الوطنية وغيرها من الهيئات بما فيها الجهات الرسمية… بشجبه و إدانته و سارعت على سبيل المثال، التنسيقية الوطنية لنساء ورجال التعليم بالمغرب ، لدعوة وزارة التربية الوطنية إلى سحب المذكرة رقم 14/867 حول العقوبات البديلة، ومنح مجالس الانضباط كامل الصلاحية في اتخاذ الإجراءات التأديبية في حق التلاميذ المشاغبين.

وأبانت عن عزمها عقد مجلس وطني لتحيين ملفها المطلبي وتسطير برنامج نضالي تصعيدي يعيد للشغيلة التعليمية حقوقها العادلة والمشروعة.

واعتبرت العديد من النقابات ، أن الاعتداء على أستاذ مادة الاجتماعيات بورززات، هو اعتداء على مختلف مكونات المدرسة العمومية.

وأصدرت بلاغا مشتركا تذكر فيه أن “ما وقع هو نتيجة طبيعية وإفراز موضوعي لاستمرار الخطاب الرسمي في إهانة الأسرة التعليمية وتبخيس دورها في المجتمع والإمعان في تكريس أزمتها الاجتماعية والمهنية والإدارية والتربوية”.

شخصيا أضم صوتي، دون تحفظ، إلى هذه الفعاليات و الهيآت الوطنية والتي أدانت بشدة هذا الاعتداء الشنيع الذي يصيب التربية بمدارسنا في مقتل . ولكنني أعتقد أن الادانة لم تعد تكفي الآن، بل ينبغي مواجهة مثل هذه الظواهر الخطيرة بالكثير من الجدية والحزم وعلى نطاق تشاركي واسع ومسؤول وعلى جميع الاصعدة وليس فقط القانونية ، لأن هذا الحدث ليس سوى الشجرة التي تحجب الغابة. لقد سبق أن نبهنا في العديد من المناسبات والدراسات… إلى خطورة الوضع في المدرسة المغربية وفي منظومة التربية والتكوين. لقد أصبحنا نعيش الآن انتشار حالة من التدهور وربما الاضطراب النفس/تربوي و الأخلاقي ، في منظومتنا التربوية وفي مجتمعنا بشكل عام ، سواء في المدرسة أو الأسرة أو الشارع أو الإعلام أو النوادي … وأن نعترف في نفس الآن بخطر الاستمرار في هذه الوضعية التي تعوق مشاريع الإصلاح وإصلاح التعليم على وجه الخصوص وتحول بالتالي دون تطورنا ونمائنا .

أصبحنا نلاحظ انتشارا ، لمظاهر السلوك السلبي بل و للسلوك المنحرف و المرضي ، وكأمثلة على ذلك :

– كثرة الغياب في صفوف التلاميذ و المدرسين على حد سواء بسبب الملل و القلق من المستقبل، أو بسبب فقدان الثقة ، وتكاسل وتماطل في أداء الواجبات المدرسية و نوع من الهروب من المسؤولية.

– الغش في الامتحان .

– العنف والعدوانية و التمرد على القوانين: فأصبح العنف جزء من سلوك عام داخل المؤسسة، لدى التلاميذ ولدى أوليائهم، ولدى العاملين فيها: تكسير للمقاعد والنوافذ ، اعتداء على الأطر التربوية ورشقهم بالحجارة، تلطيخ للجدران، تمرد على العمل، تمرد على الواقع ، مخالفات سلوكيةٌ وأخلاقيةٌ مختلفة، وبعض مظاهر الانحراف والإدمان….

-الفشل الدراسي وتشكل ميكانيزم الفشل ومختلف مظاهر الهدر المدرسي …

– كما نلاحظ في المجتمع عموما ، قدرا من اللامبالاة بالآخر وبحقوقه وبثقافته وحاجاته ورفضا للحوار والاختلاف و احترامه وتقبلُه…. – اختلاط المفاهيم والمبادئ والقيم، وتضاربها لدى الأفراد ، بل داخل المؤسسة الواحدة، وبين الجماعة الواحدة… وغياب فهم موحد للحقوق والواجبات داخل فضاء المؤسسة التربوية، و تجاهل وعدم احترام للقانون الداخلي و تطاول على حقوق المؤسسة وتدخل في شؤونها الداخلية ، بشكل سلبي من طرف أولياء التلاميذ وعناصر من السلطات المحلية.. .

– ضعف في القيم الروحية الإيجابية وقيم المواطنة (العدالة و المساواة وتكافؤ الفرص ، الديمقراطية ، الإخلاص في العمل والعمل التطوعي الجماعي …).

س : وماذا تقترحون كحلول لكل هذه المشكلات والظواهر الخطيرة ولأزمة التعليم عموما ؟

ج اقترح ألا ننظر إلى مثل هذه الوقائع بشكل جزئي ومنعزل ولا بد من وضعها في سياقها النفسي والتربوي والمجتمعي العام، ولذلك أرى ضرورة إيجاد مشروع وطني مجتمعي شامل يهم مختلف القضايا الوطنية، و تكون له القدرة على تعبئة الأفراد والجماعات والمؤسسات الرسمية وغير الرسمية ، للمساهمة الحقيقية في الرقي بأوضاع البلاد المختلفة، و في مقدمتها ما يخص الشأن التربوي. وهذا لا يمكن أن يتم دون أن تتوفر إرادة سياسية حقيقية وليس فقط على مستوى الشعارات والاستراتيجيات التي لا تجد سبيلا نحو التطبيق. والعمل بجد للقضاء على عدم تكافؤ الفرص و اللامساواة والفوارق والتفاوتات الاجتماعية الكبيرة والتي تعاني منها شرائح عريضة من المجتمع المغربي.

ذلك أننا نعتقد أنه لا يمكن عزل إصلاح التعليم عن إصلاح البناء الاجتماعي المغربي برمته و بنظرة نسقية استراتيجية، ومن ذلك ضرورة الربط بشكل جدلي دينامي وتكاملي شامل ، ما بين برامج وخطط ومشاريع التنمية والتجديد والإصلاح ومحاربة الفساد وسوء التدبير وربط المسؤولية بالمحاسبة، وما بين أسس ومقومات ومقاصد النظام التربوي.

كما نقترح تعبئة داخلية عامة و مجتمعية شاملة لإنقاذ التعليم، بروح وطنية متفاعلة مع المجتمع بمختلف مؤسساته. والى نهج مقاربة تشاركية و تشاورية على أوسع نطاق مع القطاعات الحكومية المعنية ومع مجلسي البرلمان ومع المنظمات السياسية والنقابية ومع القطاع الخاص للتعليم ومع جمعيات الآباء والأمهات والأولياء ومع منظمات المجتمع المدني… على أساس شراكات ممأسسة، مستديمة وخاضعة للتقويم.. وينبغي أن يقترن هذا التوجه بقيام كل طرف بمسؤوليته وأن تكون هذه المسؤولية مرتبطة بالتقويم والمحاسبة.

و نري ضرورة تفعيل الإصلاح التربوي والرؤية الاستراتيجية بشفافية ومسؤولية والابتعاد عن العشوائية والارتجال وعدم الاستقرار الذي تتخبط فيه وزارة التربية الوطنية ، على أن ذلك لن يستقيم دون إرادة سياسية حقيقية للإصلاح ودون تغيير ثقافتنا التربوية وممارساتنا المهنية المقاومة للتغيير …

س : على المستوى الإجرائي والعملي و للقضاء على ما اسميتموه “بحالة الاضطراب النفسي والتربوي والاخلاقي” الذي بدأ يتفشى في منظومة التعليم ويصيب مجتمعنا بشكل عام، ما هي التدابير التي تقترحونها للمواجهة و لمواكبة تلك الاصلاحات الكبرى التي أشرتم إليها والتي طال انتظارها؟

ج لا بد ان أذكر وقبل الحديث عن بعض الإجراءات العملية والتدابير ذات الاولوية ، بغياب الاهتمام في المنظومة التربوية وفي المجتمع بعلم النفس وتطبيقاته ، و عدم حضور علم النفس وانتشاره في مجتمعنا وضعف الوعي بأهمية المقاربة السيكولوجية في مختلف مناحي الحياة وخاصة في التربية المدرسية… و تغييبا شبه كامل للعناية بموضوع الإرشاد و التحصين النفسي والتربية الوالدية.

وحتى دروس علم النفس والتي توفرها برامج مؤسسات تكوين المدرسين ، لا تجد تطبيقا فعليا لها في المدارس و الأقسام . إن غياب الإيمان بالخطاب النفسي /التربوي وما يرتبط به من مؤسسات وخطط وممارسات، واقع لا مجال لنكرانه في المغرب و في بلداننا العربية بشكل عام. إن غياب هذا الإيمان ، الذي لابد منه لبناء نفسية سليمة للإنسان وما يرافقه من تراجع في أدوار مؤسسات التنشئة الاجتماعية ، أدى إلى خلل في التكوين العقلي و البعد النفسي الوجداني وقوة الإرادة لدى أطفالنا وشبابنا (وربما لدينا كراشدين كذلك)، مما جعلهم ينمون كبالغين مفتقدين للبعد الوجداني الفعال والضمير الحي ، اللازم لتحريك الطاقة الروحية، وبذل الجهد ، وتوفير الأداء الايجابي ، الذي يعد شرطا ضروريا لتحصينهم و إقدارهم على التصدي للتحديات التي تواجههم وتواجه المجتمع. ذلك الغياب الذي يمكن نعته ” بالبناء النفسي والوجداني للطفل: البعد الغائب في مناهج التعليم بالعالم العربي”.

كما أننا لم نتمكن من العثور على برنامج متكامل أو استراتيجية واضحة المعالم للتحصين النفسي للأطفال و الشباب في المغرب وعموما في الدول العربية. وكل ما استطعنا الاطلاع عليه هو جملة من الأدبيات قد تكون مصحوبة بإجراءات وتدابير عملية مشتتة ، على أساس أن هذا البرنامج ينبغي أن يشكل محورا لتمنيع الشخصية وتحصينها ولكل وقاية ممكنة من ظواهر السلوك المضطرب والمنحرف . ونعني بالتحصين النفسي ، تربية الناشئة وتكوين شخصيتهم و توجيه أفكارهم بطريقة إيجابية ليكونوا قادرين على الاندماج السليم في متطلبات الحياة و مواكبين في ذات الوقت ، لكل جديد مثمر مع الاحتفاظ بروح الأصالة والثبات على المبادئ وقيم المواطنة .

كما يراد بالتحصين من حيث برامج العمل، مجموعة الإجراءات والترتيبات التي يُعدّها المسئولون والتربويون ويوجهونها إلى الناشئة لتعزيز ثباتهم أمام التيارات والظواهر التي قد تزعزع قيمهم ومبادئهم وتفقدهم ثقتهم في أنفسهم وتجعلهم أقوياء ضد مسالك الانحراف. وهكذا يتضمن مصطلح التحصين النفسي الإجراءات والترتيبات التي تستهدف تقوية شخصية الفرد، الذي أصبح يعيش زخما من المؤثرات السلبية، والذي بات انحرافه خطرا يهدده ويهدد المجتمع بفعل تلك المؤثرات ، وتزدادُ زاويةُ الانحراف اتِّساعًا حين تجدُ شخصية بلا حصانةٍ وفكرًا ضعيفا.

ضرورة الاهتمام بالتربية الوالدية ، والتي نقصد بها مختلف البرامج التي تسعى إلى تكوين الوالدين و الأسرة على أساليب وتقنيات العناية السليمة بالأطفال وطرق تربيتهم وتحصينهم النفسي. على أننا نلاحظ غيابا لهذا المفهوم لدينا .ثم إننا لا نعرف كثيرا ما يحدث في الأسر وليس هناك سواء على مستوى التشريع أو المعاملات أو برامج النشاط الجمعوي …ما يمكننا من التدخل في ممارسات و أساليب الآباء و الأمهات و في التنشئة الاجتماعية للأبناء.

إذن غياب التدريب على تربية الأبناء إما في شكل تدخل منفصل أو مكون من بين برنامج شامل ومتعدد الخدمات للوقاية يستهدف الأطفال والشباب عموما و المعرض منهم للخطر على وجه الخصوص. وبالتالي غياب برامج التدريب في إطار التربية الوالدية وغياب الزيارات المنزلية التي تستهدف إما الأسر التي لديها أطفال صغار، أو العلاج الأسرى والزوجي الذي يستهدف الأسر التي لديها أطفال في سن أكبر .

س : إذا عدنا إلى المدرسة والمناهج والطرق السائدة فيها ،فما هي ملاحظاتكم عليها و ما هو دورها في تفشي مظاهر العنف و ماذا تقترحون للحد منها ؟

ج إذا عدنا إلى الحياة المدرسية فإن الخطر الكامن في نظامنا التعليمي عموما يأتي من اعتماده على أحادية المعرفة و محافظتها وعلى سلطة المدرس والكتاب المدرسي في عصر الإنترنيت والرقمي. إن ما يوازي غياب المقاربة السيكلوجية في منظومة التعليم ،غياب آخر ليس أقل خطورة وهو غياب العناية الجدية والمنظمة و الإجرائية ، بالجانب الوجداني/القيمي و الأخلاقي من شخصية الطفل. حقيقة إن هذا الجانب حاضر نظريا ، ضمنا أو صراحة ، في المقررات (وخاصة في مواد التربية الإسلامية والتربية الوطنية والتاريخ…) وفي الكتب المدرسية وعموما من حيث المبدأ في كلام المربين داخل المدارس وسلوكهم لكن ذلك الحضور يبدو أنه بقي دون أثر يذكر. علما بأن الجميع يؤمن بأنه لا يمكن لأية أمة أن تنشد التنمية والازدهار دون أن يكون لها نظام تربوي قوي وقادر على تخريج أفواج مؤمنة متمثلة لقيمها وأصالتها.

إن الإصلاح وما يرومه من تطوير ، لا ينبغي أن يعتمد من حيث المبدأ ، على الكفايات والمهارات والمعارف التي يستطيع المتعلم امتلاكها فحسب، بل أيضا على القيم التي يتمسك بها وعلى المواقف والاتجاهات التي يتخذها في سلوكه اليومي وحيال كثير من الأمور في المجتمع، ومنها حيال العمل وطبيعته والزمن واستثماره والتعاون ومداه، فعلى مثل هذه الجوانب الوجدانية والخلقية والإرادية في الإنسان وعلى ما فيها من ايجابيات، تعتمد التنمية الشاملة إلى حد بعيد، وأهميتها قد لا تقل عن أهمية الجوانب المعرفية فيها.

ومهما بذلنا من جهد في تطوير المناهج والرقي بالحياة المدرسية فإن ذلك لن يكون مجدياً إلا إذا تم في سياق مغاير تماماً لما نلاحظه الآن، سياق سيادة الروح الديمقراطية بدءاً بترسيخ قيمة نسبية المعرفة، ومروراً بالتخفيف من سلطة المدرس واعتباره موجهاً ومرشداً قبل أن يكون المصدر الوحيد للمعرفة، وانتهاء بسيادة الممارسات الديمقراطية داخل المدرسة وخارجها، باعتبار المدرسة مجتمعاً صغيراً تنعكس فيه العلاقات الاجتماعية والسياسية التي تتم خارجها .على أن هذه الممارسات ينبغي أن تعمل في نفس الآن ،على تحرير المدرسين القائمين على المعرفة أنفسهم ،من كل أشكال القهر والتسلط ، سواء أكان قهراً معنوياً أو مادياً ، يمارس عليهم إداريا ومن “فوق” ،بشكل مباشر وغير مباشر والذي يعانون ويشتكون منه دون أن يجدوا آذانا صاغية. وأن يخلصهم في نفس الآن من العياء النفسي نتيجة ظروف العمل الصعبة واكتظاظ الأقسام وضعف وسائل العمل أو غيابها وضغوط المقررات والامتحانات …

كما يجب تحرير طرق التدريس من الأساليب والممارسات التقليدية الجامدة والمنغلقة والقمعية. ذلك أن سيادة طرق التلقين والحفظ ورفض المناقشة والحوار وإبداء الرأي ، من شأنه تعميق التسلط وغرس الاستبداد، مما يقوي الإذعان والخضوع لدى التلاميذ، ويفرض هيمنة المربين وسلطتهم ،الأمر الذي يزكي في نفوسهم الهشة الآثار السلبية، كاعتمادهم على الحفظ والترديد و وغياب السؤال والفهم والتحليل والتركيب، مما يقود إلى القبول دون اعتراض ،فيصبحون عاجزين عن الاجتهاد والإبداع.

وهكذا لا تقتصر السلطوية على المناهج الدراسية بل تتعداها إلى الطرق والوسائل ومنها الاتكال شبه المطلق على الكتاب المدرسي المقرر بصفته المصدر الوحيد للمعرفة. وكما هو معلوم فقد أجريت العديد من الدراسات على الكتب المدرسية في بلدنا، واستنتجت أن تلك الكتب عموما، لا تحاول أن تقدم في تفسير الأحداث، وجهات نظر متعارضة أو على الأقل مختلفة، ليلم التلميذ بجميع الجوانب ومختلف وجهات النظر، بل على العكس، تعود التلميذ التفسير الواحد والرأي الوحيد والذي هو سمة سلطوية بارزة من سمات عدد من المقررات والكتب المدرسية العربية ومنها المغربية والتي تخلوا مما يمكن أن يؤدي إلى تنمية شخصية المتعلم بشكل متوازن ومبدع.

فضلا عن ذلك سيتبين الملاحظ لحال مؤسساتنا التعليمية والتربوية ، أنها تعمل في اتجاه معاكس لما نطمح إليه ، من سيادة مبادئ وقيم الوطنية والديمقراطية والعدالة والمساواة، لأن هذه المؤسسات تحولت إلى استعمال القوة والعنف المعنوي والرمزي ،من خلال محتويات المناهج والمقررات ناهيك عن العقوبات الزجرية سواء أكانت لفظية أم بدنية.

لم تستطع المدرسة المغربية إلى حد الآن بمناهجها وطرائقها وكتبها و أساليب التقويم والاختبارات السائدة فيها…وعلى الرغم من التطور الهائل الذي تشهده تكنلوجيا الاتصال والمعرفة (الانترنيت، اللوحات والسبورات الالكترونية ، الهواتف الذكية…) وازدياد اعتمادها من طرف الكبار والصغار على حد سواء ، نقول ،لم تستطع الانعتاق من النقل التقليدي للمعرفة بشكل جامد، وعبر طرق تلقينية منغلقة على نفسها ترفض الحوار ، ولم تعد تولي كبير عناية لعناصر تنمية الشخصية القوية والواثقة في نفسها.

كما نلاحظ على المدرسة بمناهجها وتنظيماتها وطبيعة العلاقات السلطوية السائدة بين روادها وبين الساهرين عليها من مدرسين وإداريين…،أنها لا تهدف إلى تحقيق المساواة وتكافؤ الفرص بين المتعلمين وإنما تهدف إلى تعميق اللامساواة بينهم…

وبسبب هذا الواقع المختل والعليل الذي يفرخ نموذجا تربويا سلطويا محافظا يتمنع على محاولات الدمقرطة، نظام يستند إلى لغة التأديب والزجر واستخدام العنف المادي والرمزي ضد الأطفال ؛ مما يولد في نفوس العديد منهم اتجاهات سلبية ومشاعر الكراهية والخوف والعزلة وعدم الثقة في النفس و الغش وضعف المراقبة الذاتية والضمير. بل يولد ما يسميه أستاذنا الكبير عبد الواحد الراضي “بالضمير الخارجي” الذي يعتمد الخوف من العقاب بدل الضمير الداخلي الذي يحركه الاقتناع وتحفزه المراقبة الذاتية .كما قد يولد في نفوسهم ضعف ملكات الاجتهاد والابتكار والإبداع نظرا لضعف أساليب الحوار والإقناع وانعدام الحرية والديمقراطية الحقيقية والمساواة الاجتماعية.

د. محمد الدريج

الرباط في 08/11/2017

2017-11-11
محمد الدريج