العبث في الهاتف، ذلك الورد اليومي الجديد؟؟

آخر تحديث : الأحد 27 أغسطس 2017 - 12:09 مساءً
2017 08 27
2017 08 27
العبث في الهاتف، ذلك الورد اليومي الجديد؟؟
الحبيب عكي

قد لا يبالغ المرء إذا قال أن بيوتنا ومكاتبنا وأنديتنا ومقاهينا وغيرها من مؤسساتنا وإقاماتنا،قد أصبحت أو تكاد في غفلة منا وعجز وحسرة ومرارة،وبسبب الهاتف المحمول الذكي عبارة عن محطات إرسال واستقبال إذاعي وتلفزي دائم لا ينقطع ليل نهار،وبالصوت والصورة والألحان والألوان وبالمباشر أحيانا؟؟. والأغرب من ذلك ان تسعى هذه المحطات الهاتفية الذكية النقالة في صراع محموم بأن تكون على آخر طراز لوجستيكي عالمي متجدد وعلى آخر موديلات جميلة الأشكال باهضة الأثمان،وآخر تطبيقات مجانية واسعة الشهرة والانتشار غريبة التسميات والخدمات ساحرة التسليات والنغمات؟؟.

قد يكون العيب في هذه الهواتف الذكية وما كان وراء صناعتها وترويجها من أغراض حداثية عالمية في دمقرطة الاتصال والتسلية والاستهلاكية والربحية والذاتية..،فجمعت في بيادقها -عفوا- في هواتفها وفي دقة عالية بين الاتصال والموسيقى والتصوير والمونطاج والارسال والاستقبال والساعة والحاسبة والخريطة وأحوال الطقس والارشاد الطرقي…،والعديد العديد من الخدمات التي أنست الناس أو تكاد المهمة الأساسية للهاتف كيفما كان نوعه وشكله و هي الاتصال والتواصل؟؟.الإنسان أيضا مسؤول من منطلق أنه أصبح يتعامل مع هذه الهواتف بطريقة أقل ما يقال عنها أنها مثل ذلك الأبكم النفسي الذي نطق لأول مرة تعبيرا عن إحساسه بالهاتف فلا يريد السكوت عن الكلام؟،أو كذلك الأعمى الذي أبصره الهاتف لأول مرة فلا يريد إغماض عينيه خشية العمى من جديد؟،أو كذلك المشلول الذي تحركت يده ولمست الهاتف لأول مرة فلا يكف عن تحريكها والعبث بها في شاشته وأزراره؟؟.

أصبح الجميع مع الهاتف الذكي كاتبا مؤلفا ومحللا،راويا مصورا ومخرجا،منتجا مغنيا ومطربا،لاعبا مراهنا رساما ومسليا،وفي كل الأوقات وكل الأماكن وكل الظروف،وهو الذي لم تطأ قدماه مدرسة ولا كلية لهذه التخصصات وغيرها،لكن الهاتف الذكي أصبح في حياة الناس هو الكل في الكل وليس جزءا من الكل ينبغي أن يأخذ مكانه الطبيعي بين الأشياء؟؟.ويتلقى الواحد منا العشرات بل المئات من الرسائل اليومية تتهاطل عليه من تطبيقات معروفة وغير معروفة وأحيانا من شخص واحد أوبضعة أشخاص: البريد الإلكتروني،”وات ساب”،”يوتوب”،”تويتر”،”فايسبوك”،”سنات شاب”…،وقد يكون منخرطا في كل هذه التطبيقات وقد لا يكون ولكن مطرها ومهلها عنه لا يتوقف،حتى يأسره من غيرها مما هو واجب وأوجب ونافع وأنفع كالقراءة والكتابة والبحث العلمي والتطوع الاجتماعي والتزاور العائلي والإخلاص المهني والإتقان الحرفي وغير ذلك مما يستلزمه النهوض والبناء والدعوة والنضال قبل غيره؟؟.

فأولا، كان الله في عون مرسلي هذه الرسائل وكيف يقضون كل تلك الأوقات في النبش عنها في هواتفهم،وكيف يقضون كل تلك الأوقات يبحثون عنها في كل الظروف رغم ما يصيبهم من ضرر الإدمان والأعين والأعصاب الأكيد؟؟،وكان الله في عونهم كيف تسمح لهم ضمائرهم بأن يرسلوا محصولهم الإلكتروني إلى غيرهم كل حين فيشغلوا أوقات غيرهم بفضول الاطلاع عليها كل حين؟؟،هل يظن هؤلاء “الهواتفيون”الجدد – على حسن نواياهم – أن ليس للمرء شغل إلا الاطلاع على بريدهم الإلكتروني والواتسابي والفيسبوكي والهشتاقي…ما سمن منه وما هزل؟؟،هل يظن الجميع المراسلون والمستقبلون أن العبث في الهواتف الذكية قد أصبح وردنا اليومي الجديد؟؟،نعبث فيها في الصباح وفي المساء وفي كل حين،نعبث فيها في المنازل وفي المكاتب وداخل الفصول والدكاكين وحتى في المساجد والسيارات والشوارع، في الفراش وأمام أفراد العائلة والضيوف ومع الأصدقاء وعند الزيارات وفي الاجتماعات وقبيل وبعيد الصلوات؟؟،نعبث نعبث وطبعا على حساب المهم من القيم والأخلاق والأهم من الأشياء حتى لو كانت أورادنا من القرآن والحديث والأذكار والأدعية؟؟،نعبث كل صباح بعد الاستيقاظ وكل مساء قبيل النوم وفي كل لحظة وكل حين وكأننا نجسد فيه قول الرسول (ص) في الأوراد:”أحب الأعمال إلى الله أدومها”؟؟.

صحيح،لقد كان الإسلام حريصا على ربط العبد بربه في كل وقت وحين،فجعل له أذكارا وأدعية وفضائل وأخلاقا تستوعب كل حياته وتفاصيلها ومواقفها،هذه الأذكار والأدعية والفضائل يتذكرها المرء..يتلوها..يفقهها..يتمسك بأحكامها وتوجيهاتها..فيصلح بها..ويؤجر عليها؟؟،ترى أي شيء من هذا في الهاتف الجوال حتى تبتلع المرء غوايته وبهرجته فتغرقه ربما في بحر الرذائل للرسائل السمجة والنكت القمئة، وتتبع الفتيات وتصوير العورات، وفيديوهات الخلاعة والإباحية،ومقاطع الأغاني والرقصات المخلة بالحياء،و لا زالت كل يوم تزعج ليس الأساتذة في الأقسام فقط ولا العاملين في الإدارة ولا المارة الشارع فحسب بل حتى المصلين في المساجد(لعن الله آفة النسيان وأعاذنا من العصيان)؟؟.

أليس أهون على المرء وهو لا يستطيع تحديد نوع الرسائل التي يتلقاها،ولا عددها ولا مصدرها ولا أوقاتها ولا صدقها من كذبها..،أليس أهون عليه بأن يكون من فئة أولائك الذين لا يزالون لا يفرطون في أورادهم القرآنية والأذكار والأدعية قبل كل شيء وفوقه،ولا يزالون يكتفون من كل تطوير الهاتف وأنواعه وأشكاله وتطبيقاته وخدماته باليسير اللازم منها فحافظوا على هواتفهم النقالة بسيطة وأنيقة ودون تطبيقات ولا مصورات ولا سمسرة واستبدال دائم في الأسواق ولا..ولا..ولا شيء من خدمات الهاتف غير تلك التي كانت مبرر وجوده أصلا “آلو..نعم..وباختصار مفيد..وأدب جم في الغضب والرضا”،فكانوا ليس تحفا متجاوزة كما قد يعتقد المتهافتون بل أمة من الأمم المتقدمة السائرة على نهجهم وما أكثرها؟؟.

كان من الممكن أن يكون هناك أرشيف ثري لمرسول إلكتروني مفيد وممتع متنوع ومقبول يستوعب وتستوعبه شبكات التواصل الاجتماعي،وكان من الممكن أن يتطور الإعلام الوطني والقومي في هذا الاتجاه وفي اتجاه ما يهم الشعب وما ينبغي أن ينشر لا ما يهم الأنظمة وما ينبغي أن يحاصر،وكان من الممكن أن يبدع مبرمجونا على نبوغهم برمجيات تجعل مثل هذه الأشياء تحت الطلب وتحارب فيها كل أنواع الإسفاف والإزعاج، وكان من الممكن أن يتمتع المواطن بحقه من الحرية والتعبير حتى لا يتفجر كبته وحرمانه بكل هذا العبث والجنون الهادر،وكان من الممكن أن يتمتع الناس رغم كل شيء بكثير من الوعي والتعامل الحضاري مع الهاتف المتهم البريىء لأنهم هم السؤولون قبل غيرهم،ولكن في غياب كل هذا وتواضعه،وريتما قد يكون منه بعض الشيء أو لا يكون،فأهون على المرء بأن يزيل من هاتفه كل تلك التطبيقات والحوامل من أصلها،أو يزيلها ويعيد تثبيتها عند الحاجة في دقيقة،وهذا أهون عليه من أن يطلع على كل ما يرد عليه فيجعل وقته من وقت الآخرين،واهتماماته من اهتمامات الآخرين،وكأنه مجرد مشروع من مشاريع الآخرين ومخطط من مخططاتهم،فاسمح أو احذر أخي الكريم أختي الكريمة من أن تكون جوهرة عقد في غير عقدك ولبنة مرصوصة في غير حائطك؟؟.